مريم رجوي الرئيسة الجمهورية لإيران المستقبل

مريم رجوي

اجتماع إيران حرة 2023: إلى الأمام نحو جمهورية ديمقراطية

المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية

ماتثير الإعجاب بشأن مجاهدي خلق

أحدث الاخبارحين تهدم الملالي السجون خوفا من أن تتكلم الجدران

حين تهدم الملالي السجون خوفا من أن تتكلم الجدران

صور لشهداء مجزرة صیف عام 1988في ایران-

الحوار المتمدن-سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:
الجرافات لا تقتل الموتى، لكنها تستطيع أن تحاول قتل الأدلة.
والجدران لا تتكلم، لكن بعضها يحمل من آثار الجرائم ما يكفي لإدانة جلاديه.
ولهذا، وبعد أن امتدت يد النظام الإيراني إلى القبور والمقابر، وصلت اليوم إلى السجون.
فهل يريد نظام الملالي أن يهدم كوهردشت لأنه لم يعد صالحا كسجن، أم لأنه ظل صالحا جدا كشاهد على الجريمة؟
في 13 سبتمبر/أيلول 2026، بدأت السلطات الإيرانية هدم سجن كوهردشت في كرج، أحد أبرز المواقع المرتبطة بقمع السجناء السياسيين وإعدامات في مجزرة صیف عام 1988. وأعلنت السلطات أن العملية جاءت بأمر من رئيس السلطة القضائية، وأن الجدران المحيطة بالموقع ستزال خلال أقل من شهر تمهيدا لاستخدام الأرض في مشاريع سكنية أو تجارية.
قد يبدو التبرير عمرانيا، لكن المشكلة أن كوهردشت ليس مجرد مبنى انتهت صلاحيته. إنه أحد المواقع التي ارتبط اسمها بأخطر صفحات تاريخ الجمهورية الإسلامية، وقد وصف ناجون ممراته وزنازينه وقاعات التعذيب و”قاعة الموت” التي شهدت عمليات إعدام خلال مجزرة 1988. كما أصبحت شهادات الناجين والخرائط وإعادة بناء تفاصيل السجن ذات أهمية في محاكمة المسؤول السابق حميد نوري في السويد.
وهنا تحديدا يصبح السؤال مشروعا:
لماذا هدم المكان قبل أن يتاح لخبراء مستقلين توثيقه وحفظ ما يمكن أن يحتويه من أدلة؟
ففي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، لا تقتصر الأدلة على الوثائق والشهادات. المكان نفسه يمكن أن يكون دليلا: ممراته، تقسيماته، الزنازين، مواقع الحراسة، طرق نقل المعتقلين، وقاعات الإعدام. وكلما اختفى المكان، اختفت معه إمكانية فحص جزء من الحقيقة بصورة ميدانية.
والأكثر إثارة للقلق أن هدم كوهردشت يأتي بعد سنوات من الجدل حول العبث بمواقع دفن ضحايا الإعدامات السياسية في إيران. وقد حذر المقرر الخاص السابق للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان في إيران جاويد رحمن، في تقرير عام 2024، من تدمير مواقع المقابر الجماعية المرتبطة بضحايا إعدامات 1988، معتبرا أن ذلك يعرقل جهود كشف الحقيقة والمساءلة.
وهكذا تتشكل صورة لا يمكن تجاهلها: قبور تطمس، ومواقع دفن تغير معالمها، واليوم سجن كان مسرحا رئيسيا للقتل والتعذيب والإعدام يجري هدمه.
لا يمكن الجزم بأن الدافع الوحيد وراء الهدم هو محو الأدلة؛ فالسلطات تقدم تفسيرا عمرانيا رسميا. لكن توقيت العملية وطبيعة الموقع وتاريخه، في ظل غياب إعلان واضح عن توثيق مستقل وشامل للمكان قبل تدميره، تبرر طرح أسئلة جدية حول مصير الأدلة المادية المرتبطة به.
لقد حاول النظام طوال عقود أن يجعل من مجزرة 1988 جريمة بلا مسرح، وضحايا بلا قبور، وشهودا بلا صوت. لكنه اكتشف أن الحقيقة أكثر عنادا من القمع.
فالشاهد يحمل ذاكرته.
والوثيقة تحمل توقيعها.
والضحية تحمل اسمها.
والتاريخ لا يحتاج إلى إذن من الجلاد كي يتذكر.
لقد أثبتت قضية حميد نوري أن مرور العقود لا يعني بالضرورة موت الأدلة؛ فقد وصلت شهادات الناجين وتفاصيل كوهردشت إلى قاعة المحكمة بعد أكثر من ثلاثة عقود.
ولهذا فإن هدم كوهردشت لا ينبغي أن يكون نهاية للقصة، بل بداية لسؤال أكبر أمام المجتمع الدولي: من المسؤول عن حماية المواقع المرتبطة بالجرائم الجماعية قبل أن تتحول إلى أنقاض؟
فإذا كان النظام واثقا من روايته، فلماذا لا يسمح بتوثيق المكان قبل هدمه؟
قد تسقط الجدران، وقد تختفي الزنازين، وقد تسوى الأرض بالجرافات، لكن ذلك كله لن يغير ما حدث داخل كوهردشت.
فالجلاد يستطيع أن يهدم السجن، لكنه لا يستطيع هدم الشهادة.
ويستطيع أن يطمس القبر، لكنه لا يستطيع طمس اسم الضحية.
ويستطيع أن يسوي المكان بالأرض، لكنه لن يستطيع تسوية الحقيقة معها.
ولذلك، فإن أخطر ما في هدم كوهردشت ليس اختفاء مبنى من خريطة كرج، وإنما محاولة تحويل أحد أهم مسارح الجريمة في إيران إلى قطعة أرض صامتة.
لكن حتى الأرض تتكلم عندما يعرف التاريخ كيف يصغي إليها.
الجرافات تستطيع هدم الجدران… لكنها لا تستطيع هدم الحقيقة.