الحوار المتمدن-سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:
في مشهد يكشف اتساع الصراع بين السلطة والمعتقلين داخل إيران، دخلت حملة “ثلاثاء لا للإعدام” أسبوعها الـ138، بعدما أعلن سجناء سياسيون ومدنيون في 62 سجنا في أنحاء البلاد إضرابهم عن الطعام يوم الثلاثاء 15 سبتمبر/أيلول 2026، احتجاجا على استمرار أحكام الإعدام وتنفيذها.
ويأتي هذا التحرك في توقيت بالغ الرمزية، مع اقتراب الذكرى الرابعة لانتفاضة سبتمبر 2022، التي اندلعت عقب وفاة جينا (مهسا) أميني، وتحولت إلى واحدة من أكبر موجات الاحتجاج ضد السلطات الإيرانية خلال السنوات الأخيرة. وتقول الحملة إن إضراب هذا الأسبوع يمثل رسالة من داخل السجون بأن قضية الإعدام السياسي لم تعد شأنا يخص السجناء وحدهم، وإنما قضية حقوقية وسياسية تتجاوز جدران المعتقلات.
وتقول الحملة إن عدد المشاركين وصل إلى 62 سجنا، من بينها إيفين، قزل حصار، كرج، قرجك، شيراز، الأهواز، زاهدان، تبريز، أرومية، مهاباد، سقز، سنندج وإيرانشهر، في امتداد جغرافي يعكس، بحسب منظميها، اتساع الاحتجاج على عقوبة الإعدام داخل السجون الإيرانية.
وتأتي هذه الخطوة وسط تقارير حقوقية عن تصاعد استخدام عقوبة الإعدام بحق محتجين ومعارضين. ووفق بيان الحملة، نفذ ما لا يقل عن 61 إعداما منذ 23 أغسطس/آب. ورغم أن هذا الرقم صادر عن الحملة ويحتاج إلى تدقيق مستقل شامل، فإن منظمة هيومن رايتس ووتش وثقت، حتى نهاية أغسطس، إعدام ما لا يقل عن 59 رجلا على خلفية اتهامات مرتبطة بالاحتجاجات أو بقضايا أمنية، بينهم أشخاص اعتقلوا خلال احتجاجات ديسمبر 2025 ويناير 2026. كما قالت إن بعض المحاكمات اتسمت بإجراءات موجزة وافتقرت إلى ضمانات المحاكمة العادلة.
وهنا تتجاوز القضية حدود الأرقام.
فالإعدام، حين يرتبط بالاحتجاج السياسي، يتحول من عقوبة جنائية إلى أداة ذات أثر سياسي، خصوصا عندما تكون التهم مرتبطة بمفاهيم أمنية واسعة أو عندما تثار أسئلة حول نزاهة المحاكمة. ولهذا يكتسب إضراب السجناء عن الطعام دلالة تتجاوز الاحتجاج على أحكام محددة: إنه احتجاج على استخدام المشانق في مواجهة مجتمع يحتج ويطالب بحقوقه.
واللافت في بيان الأسبوع الـ138 هو الربط بين انتفاضة 2022 وما تقول الحملة إنه استمرار للاحتجاجات في 2026. فالسجناء يستحضرون ذكرى الضحايا، ويؤكدون أن القمع لم ينه جذور الأزمة التي دفعت آلاف الإيرانيين إلى الشوارع. كما يلفت البيان إلى أن السلطات، بحسب تقدير الحملة، تحاول استخدام أحكام الإعدام والترهيب للحد من أي موجة احتجاج جديدة، ولا سيما مع اقتراب العام الدراسي والجامعي.
وفي المقابل، خرج الاحتجاج من داخل السجون إلى خارج إيران أيضا. فقد تحدثت الحملة عن تجمعات داعمة في باريس ولندن وكولونيا، وعن تحرك أمام مقر الأمم المتحدة في فيينا، في محاولة لتحويل قضية المعتقلين وأحكام الإعدام إلى ملف دولي. كما دعت الحملة اللجنة الثالثة للجمعية العامة للأمم المتحدة والمقررة الخاصة المعنية بحقوق الإنسان في إيران، ماي ساتو، إلى اتخاذ إجراءات عملية لوقف الإعدامات.
لكن السؤال الأهم يبقى: هل تكفي الإدانات الدولية؟
التجربة خلال السنوات الماضية تقول إن البيانات وحدها لا تمنع المشنقة. ولهذا فإن أهمية حملة “ثلاثاء لا للإعدام” لا تكمن فقط في عدد السجون المشاركة أو عدد الأسابيع التي استمرت فيها، بل في قدرتها على إبقاء قضية الإعدام السياسي حاضرة، وعلى نقل صوت السجين من خلف القضبان إلى الرأي العام الإيراني والدولي.
وبينما تستعد إيران لإحياء الذكرى الرابعة لانتفاضة سبتمبر 2022، تبدو السجون مرة أخرى إحدى ساحات المواجهة الأساسية. فمن جهة تقف سلطة تمتلك أدوات الاعتقال والمحاكمة والإعدام، ومن جهة أخرى سجناء اختاروا سلاحا محدودا لكنه شديد الرمزية: الامتناع عن الطعام.
وهنا تكمن المفارقة الأكثر وضوحا: كلما حاولت المشانق إسكات أصوات المحتجين، تحولت السجون نفسها إلى منابر للاحتجاج.
ولهذا فإن رسالة الأسبوع الـ138 ليست مجرد “لا للإعدام”، وإنما سؤال موجه إلى الداخل والخارج معا: إلى متى يمكن أن تتحول أحكام الموت إلى وسيلة لإدارة أزمة سياسية وحقوقية؟
فالحرية لا تقاس بعدد الذين يستطيعون الكلام خارج السجون فقط، وإنما أيضا بعدد الأصوات التي يمكن أن تبقى مسموعة خلف القضبان.








