هندسة القمع الممنهج وتكلفة البقاء في السلطة
كرامة نيوز – سوريه – د. سامي خاطر آكاديمي وأستاذ جامعي:
تتعاظم التحديات الهيكلية التي تواجه البنية السياسية والأمنية في إيران وسط مخاض عسير تعيشه البلاد، حيث تتكشف بوضوح ملامح أزمة بنيوية شاملة تعصف بأركان النظام الكهنوتي. لم تعد الأزمات الإيرانية مجرد إخفاقات قطاعية عابرة، بل غدت منظومة متكاملة من الانهيارات الاقتصادية، والعزلة الدبلوماسية، والصراعات المستعرة داخل أجنحة الحكم الضيقة. وفي قراءة تحليلية عميقة لمحددات الاستقرار السياسي، يتبين أن لجوء السلطة الحاكمة إلى آلية العنف المفرط وعمليات الإعدام الممنهجة لا يعكس قوة ردع، بل يترجم حالة من الهشاشة الوجودية وفقدان شرعية البقاء. إن تخصيص الجزء الأكبر من الموارد القومية لتمويل آلات القمع والحروب بالوكالة، إلى جانب تقويض التجارة والاقتصاد، يؤكد أن بقاء النظام بات رهناً باستمرار حالة التوتر الإقليمي وتعطيل فرص التسوية، مما يدفع بالبلاد نحو حافة الهاوية الاقتصادية والاجتماعية بصورة متسارعة.
صعود جيل الشباب وثقافة التمرد ضد الدكتاتوريات المزدوجة
في المقابل، تشهد الساحة الداخلية تحولاً جيلياً وفكرياً فارقاً يعيد صياغة قواعد الاشتباك السياسي بين المجتمع والسلطة. يبرز جيل الشباب، لاسيما جيل زد، كقوة تغيير حاسمة تتجاوز الإرث السياسي القديم برمته، رافضةً ثنائية الاستبداد المتمثلة في دكتاتورية الشاه البائدة واستبداد الملالي الحالي. لقد تجسدت هذه الروح النضالية بوضوح في تضحيات أسماء بارزة مثل الشاب مهدي خانكي والشابتين أرغوان فلاحي وفروغ تقي بور، الذين وثقوا بكلماتهم وصمودهم داخل سجون إيفين وقزل حصار صلابة الإرادة الإيرانية المناهضة للقمع. إن استمرار الاحتجاجات الشعبية في الشوارع، وتوسع حملة “لا للإعدام” لتشمل العشرات من السجون الإيرانية رغم البطش الأمني، يدل على انكسار جدار الخوف التاريخي، وتحول السجون من ساحات لإخماد الأصوات إلى منصات متقدمة للمقاومة الفكرية والعملية ضد منظومة الإعدامات.
حتمية الخيار الديمقراطي وسقوط أوهام البدائل الشمولية
على صعيد البدائل السياسية المطروحة لمستقبل البلاد، يحذر المراقبون والخبراء الاستراتيجيون من محاولات إحياء ماضي الدكتاتورية البائدة عبر ترويج شعارات زائفة من قبل بقايا النظام البهلوي السابق المرتبطين بجهاز السافاك السيء الصيت. يرفض الشارع الإيراني الواعي أي عودة للوراء، مؤكداً أن طموحه الوحيد يكمن في إقامة جمهورية ديمقراطية حرة تقوم على مبادئ فصل الدين عن الدولة، والمساواة الجندرية، واحترام حقوق الإنسان الأساسية. إن البرنامج السياسي الذي يطرحه المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية يمثل خارطة طريق واقعية تحظى بدعم برلماني واسع على المستوى الدولي، لا سيما الجهود الرامية لإدراج قوات الحرس على قوائم الإرهاب، مما يفرض على القوى الإقليمية والدولية إدراك أن التغيير الجذري ينبع حتمًا من الداخل الإيراني ولا يمكن تجاوزه بأي تسويات سياسية قصيرة الأجل.
حدود الضغط الدبلوماسي ومعادلات الردع الميداني
في ظل المعطيات الراهنة، يبرز تساؤل استراتيجي ملح حول ما إذا كانت الضغوط الدبلوماسية والعقوبات وحدها كافية لإجبار النظام الإيراني على التراجع عن سياسات القمع، أم أن طبيعة النظام الكهنوتي تتطلب معادلات ردع ميدانية أوسع. يؤكد المحللون أن النظام يتعامل مع الضغوط الدبلوماسية باعتبارها مساحات مناورة يمكن الالتفاف عليها طالما استمرت آلة القمع الداخلي في العمل بكفاءة لضمان بقائه. ومن ثم، فإن تفكيك بنية العنف الممنهج لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن تضافر الضغط السياسي الخارجي الحازم مع التصعيد النضالي الميداني للشباب والمقاومة داخل الشارع الإيراني والسجون، مما يجعل الجمع بين أدوات الضغط الدولي وحركة التغيير الداخلي هو المعيار الحاسم لكسر حلقة الاستبداد وفرض معادلة سياسية جديدة.
مسؤولية المجتمع الدولي واختبار المعايير الأخلاقية
تستوجب المعطيات الجيوسياسية الراهنة تغييراً جذرياً في استراتيجية المجتمع الدولي، لا سيما في العواصم الأوروبية مثل لندن، متجاوزةً سياسات الاسترضاء التقليدية التي أثبتت عقمها على مدى العود الماضية. إن اللحظة التاريخية الراهنة تفرض على البرلمانات الغربية اتخاذ خطوات عملية ومبدئية، تتجاوز بيانات التنديد الروتينية إلى آليات ضغط حقيقية، تشمل:
ربط كافة العلاقات الدبلوماسية والتجارية بوقف فوري لإعدام المتظاهرين.
تفعيل مبدأ الولاية القضائية العالمية لمساءلة مرتكبي مذبحة السجناء السياسيين في مجزرة صیف عام 1988 والانتهاكات اللاحقة.
اشتراط أي اتفاقيات دولية مستقبلية ببنود صارمة وملزمة لوقف أحكام الإعدام.
إن دعم تطلعات الشعب الإيراني ومقاومته المشروعة ليس مجرد خيار أخلاقي، بل هو ضرورة استراتيجية لضمان الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم.
د. سامي خاطر آكاديمي وأستاذ جامعي








