مجلس الأمن الدولي-
الحوار المتمدن-سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:
لم يعد التصعيد المحيط بالملف النووي الإيراني مجرد مواجهة بين طهران والمجتمع الدولي، بل بدأ يتحول إلى عامل ضغط مباشر داخل بنية النظام نفسه. فإحالة الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن الدولي، بعد تصويت مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية في 9 سبتمبر/أيلول، أعادت القضية النووية إلى واحدة من أخطر مراحلها منذ سنوات، وفتحت في الوقت نفسه الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع داخل قمة السلطة الإيرانية.
فالضغط الخارجي، في الأنظمة المتماسكة، قد يؤدي إلى تعزيز وحدة الصف. أما في نظام مثقل بالأزمات الاقتصادية والعسكرية والسياسية، فقد يفعل العكس تماماً: يكشف التصدعات، ويحول الخلافات المؤجلة إلى صراع مفتوح على المسؤولية والمستقبل.
وهذا تحديدا ما يبدو أنه يحدث في طهران.
فمع تصاعد الضغوط الدولية والحرب المتواصلة والاختناق الاقتصادي، لم تعد الخلافات بين أجنحة النظام تدور في الغرف المغلقة. لقد خرجت إلى العلن، وتحولت وسائل الإعلام والتجمعات التعبوية إلى ساحات لتبادل الاتهامات، بل وبلغت حد المطالبة بإعدام الرئيس الأسبق حسن روحاني واتهامه بالخيانة.
وهذه ليست مجرد حملة ضد شخصية سياسية. إنها تعبير عن سؤال أكبر: من المسؤول عن وصول النظام إلى هذه النقطة؟
المتشددون يريدون تحميل التيار الذي قاد مرحلة المفاوضات النووية مسؤولية التراجع، ويتهمونه بتقديم تنازلات أضعفت المشروع النووي وأفقدت النظام أوراق قوته. وفي المقابل، يرى التيار الآخر أن الاستمرار في المواجهة المفتوحة سيقود البلاد إلى مزيد من العقوبات والعزلة والاستنزاف.
وهكذا تتحول القضية النووية من ملف خارجي إلى أداة لتصفية الحسابات الداخلية.
ولعل الأخطر في هذا المشهد أن لغة التخوين لم تعد مقتصرة على المنابر الإعلامية. فبحسب التقرير، وصلت التهديدات ضد روحاني وفريقه إلى حد المطالبة بالمشنقة، بالتزامن مع تحذيرات صادرة عن رئيس السلطة القضائية من أن أي موقف يضعف “الانسجام الداخلي” أو يخدم العدو يمكن أن يعامل بوصفه جريمة وخيانة.
وعندما تصبح الدعوة إلى التهدئة قابلة للتجريم، فإن ذلك يعني أن النظام لم يعد يناقش فقط كيف يواجه الأزمة، بل كيف يمنع أجنحته من الانفجار بسببها.
ويزداد المشهد خطورة عندما ينتقل الخلاف إلى العقيدة العسكرية نفسها. فالصراع حول مضيق هرمز، وما إذا كان ينبغي استخدامه كورقة ضغط استراتيجية أو تجنب تحويله إلى ساحة حرب دائمة، يكشف تناقضا عميقا داخل السلطة بشأن جدوى الاستمرار في سياسة التصعيد. وقد أكد محسن رضائي أن طهران تستعد لفرض منطقة مقيدة جديدة قرب المضيق، في وقت تتصاعد فيه المواجهة البحرية والضغوط على صادرات النفط الإيرانية.
وهنا تبرز المفارقة: كلما حاول النظام استخدام الحرب لإظهار قوته، ازدادت الضغوط الاقتصادية والسياسية عليه؛ وكلما ظهرت أصوات تطالب بالتهدئة، اتهمها الجناح المتشدد بالاستسلام.
إنها معادلة مغلقة.
لا يستطيع النظام بسهولة التراجع، لأن التراجع يعني اعترافا بفشل سياسة المواجهة؛ ولا يستطيع الاستمرار بلا حدود، لأن كلفة الحرب والعقوبات والحصار تتراكم داخل مجتمع يعاني أصلا من أزمات اقتصادية خانقة.
ولذلك فإن أخطر ما تكشفه التطورات الحالية ليس فقط الخلاف حول الملف النووي أو الحرب، وإنما تحول الصراع إلى معركة على تعريف مستقبل النظام نفسه.
وهنا يدخل ملف الخلافة على “الولي الفقيه” إلى المشهد.
فالهتافات التي ظهرت في بعض التجمعات المؤيدة للنظام لصالح مجتبى خامنئي، بحسب التقرير، لا يمكن فصلها بسهولة عن حالة الاستقطاب الراهنة. فإذا كانت الحرب والأزمة الاقتصادية والضغط الدولي قد أضعفت قدرة النظام على تقديم صورة موحدة، فإن الصراع على من يملك القرار بعد المرشد يمكن أن يصبح أكثر علنية، خصوصا عندما تبدأ الأجنحة في بناء قواعد ولاء مبكرة حول شخصيات بعينها.
وهذا يعني أن المعركة لم تعد فقط بين “التفاوض” و”المواجهة”، بل بدأت تتحول إلى صراع على من يحدد اتجاه النظام ومن يملك حق تقرير مستقبله.
وفي المقابل، يبدو مسعود بزشكيان محاصرا بين جناحين: جناح يريد مواصلة التصعيد ورفض أي تراجع، وآخر يدرك أن استمرار المواجهة قد يجعل الأزمة الاقتصادية والاجتماعية أكثر انفجارا. ولذلك تبدو دعوته إلى وقف الاقتتال الداخلي أقرب إلى محاولة لاحتواء تصدع يتجاوز قدرة الحكومة نفسها.
والمفارقة أن النظام الذي يرفع شعار “وحدة الصف” يبدو اليوم أكثر انشغالا بإثبات خيانة خصومه الداخليين من إقناع المجتمع بقدرته على إدارة أزماته.
إن إحالة الملف النووي إلى مجلس الأمن، وما يرافقها من عودة العقوبات الأممية والضغوط الاقتصادية، لا تعني تلقائيا سقوط النظام. لكنها تضيق هامش المناورة أمامه، وتضع أجنحته أمام خيارات أكثر صعوبة. وقد أعادت آلية “سناب باك” بالفعل عقوبات الأمم المتحدة المرتبطة بالملف النووي، فيما تتجه دول غربية إلى تشديد القيود الاقتصادية والتجارية على طهران.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل يستطيع النظام الإيراني تحمل ضغط الخارج؟
السؤال الأخطر هو: إلى أي حد يستطيع النظام تحمل نفسه؟
فحين تتزامن العقوبات والحرب والاختناق الاقتصادي مع التخوين المتبادل، والمطالبة بإعدام شخصيات من داخل المنظومة، والتنافس على الخلافة، فإن الخطر لا يعود خارجيا فقط.
إنه يبدأ من قمة الهرم، ثم يتسرب إلى داخله.
وقد تكون هذه هي المفارقة الأكبر في المرحلة الراهنة: أن الضغوط الدولية التي يسعى النظام إلى تقديمها باعتبارها مؤامرة خارجية، قد تتحول في نهاية المطاف إلى عامل يكشف هشاشته الداخلية ويعمق حرب أجنحته.
وعندها لن يكون السؤال فقط: كيف سيواجه النظام خصومه في الخارج؟
بل: هل يستطيع أن يمنع خصومه داخل النظام نفسه من تحويل الأزمة إلى معركة على بقائه؟








