مضيق هرمز-
الحوار المتمدن-سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:
لم تكن طهران، حين دفعت بمضيق هرمز إلى قلب المواجهة مع واشنطن، تراهن على إغلاق ممر مائي فحسب، بل كانت تراهن على الزمن نفسه. كانت تعتقد أن خنق الملاحة الدولية وتهديد تدفق النفط ورفع أسعار الطاقة سيحول الحرب إلى عبء عالمي، ويدفع واشنطن في النهاية إلى التراجع أو تقديم تنازلات.
لكن المعادلة بدأت تنقلب. فالوقت الذي أرادته طهران سلاحا ضد خصومها يتحول تدريجيا إلى ساعة رملية تنفد حباتها داخل النظام نفسه.
التطورات الأخيرة تكشف أن المعركة حول هرمز دخلت مرحلة أكثر خطورة. فقد تراجعت حركة السفن التجارية في المضيق إلى مستويات هي الأدنى منذ أشهر؛ ولم تعبره الثلاثاء سوى ست سفن للسلع، مقابل متوسط يومي بلغ 12 سفينة خلال الأيام العشرة السابقة. وفي الوقت نفسه، صعد سعر خام برنت فوق حاجز المئة دولار للمرة الأولى منذ يوليو، بفعل اتساع دائرة المواجهة وتهديد إمدادات الطاقة.
وهنا تكمن المفارقة: هرمز أصبح بالفعل ورقة ضغط، لكنه لم يعد ورقة يمكن لطهران استخدامها من دون أن تدفع ثمنها هي أيضا.
فالولايات المتحدة أعادت منذ يوليو فرض حصار بحري على الموانئ والشحن الإيراني، ما أدى إلى انهيار صادرات النفط الإيرانية. وتشير بيانات حديثة إلى أن صادرات النفط تراجعت بنحو 85 في المئة، بينما تقلصت المخزونات العائمة بصورة حادة، في وقت تواجه فيه طهران صعوبة متزايدة في تحويل نفطها إلى عائدات مالية.
ولم يعد الأمر يقتصر على الحصار الاقتصادي. فقد دخلت ناقلات النفط نفسها دائرة الاستهداف، بعدما أعلنت واشنطن تدمير خمس ناقلات إيرانية إضافية، عقب هجمات صاروخية إيرانية على سفن حربية أمريكية. وبذلك تحولت معركة هرمز من صراع على حرية الملاحة إلى مواجهة مباشرة على قدرة إيران على تصدير مصدرها الأساسي للعملة الصعبة.
وفي الداخل، بدأت آثار الاختناق تتعمق. فقد أقر الرئيس مسعود بزشكيان بأن التجارة الإيرانية تراجعت بين 25 و35 في المئة، مع تراجع أكبر في الواردات، فيما تتفاقم أزمة الوقود والضغوط المعيشية.
لكن طهران لم تعد تواجه الضغط من هرمز وحده. فالهجمات التي تشنها جماعة الحوثيين المدعومة من إيران على منشآت الطاقة السعودية توسع دائرة الخطر إلى البحر الأحمر وممرات بديلة كان يفترض أن تخفف أثر إغلاق هرمز. وقد أدى استهداف منشآت في جازان إلى اشتعال حريق وتعطيل عمليات في مصفاة، ما دفع أسعار النفط إلى مزيد من الارتفاع.
وهكذا تجد طهران نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد: كلما رفعت كلفة الملاحة على العالم، رفعت في الوقت نفسه كلفة الحرب عليها. وكلما وسعت دائرة التصعيد، ضيقت هامش المناورة أمام اقتصادها.
المشكلة أن التراجع ليس سهلا. ففتح هرمز من دون مقابل يعني بالنسبة إلى القيادة الإيرانية التنازل عن إحدى أهم أوراقها الاستراتيجية، بينما مواصلة التصعيد تعني استنزافا أكبر للاقتصاد والموارد والقدرة العسكرية.
لقد أرادت طهران أن تجعل العالم أسيرا لمضيق هرمز، فإذا بها تجد نفسها أسيرة للمعادلة التي صنعتها.
ورغم ذلك، فإن الرهان على سقوط النظام بفعل الحصار وحده يبقى تبسيطا خطيرا؛ فالسلطة الإيرانية أثبتت قدرتها على تحويل الأزمات الاقتصادية إلى أدوات للقمع والتعبئة، كما أن الضغوط الاقتصادية لا تعني تلقائيا انفجار الشارع.
لكن شيئا أساسيا تغير: لم تعد طهران تتحكم وحدها بإيقاع الساعة.
فالساعة الرملية لا تقيس فقط الوقت المتبقي أمام خصومها، بل تقيس أيضا الوقت المتبقي أمامها لاتخاذ قرار: التراجع والتفاوض، أم مواصلة معركة قد تجعل سلاح هرمز ينقلب نهائيا على صاحبه.
وفي الحروب الطويلة، لا تكون الهزيمة دائما في خسارة معركة؛ أحيانا تبدأ عندما تنفد الخيارات.
وهذا هو الخطر الحقيقي الذي تواجهه طهران اليوم.








