مريم رجوي الرئيسة الجمهورية لإيران المستقبل

مريم رجوي

اجتماع إيران حرة 2023: إلى الأمام نحو جمهورية ديمقراطية

المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية

ماتثير الإعجاب بشأن مجاهدي خلق

أحدث الاخبارأحدث الاخبار: اخبار المقاومة الايرانيةمن مجزرة 1988 إلى إعدامات اليوم.. حين تصبح العدالة جزءا من معركة...

من مجزرة 1988 إلى إعدامات اليوم.. حين تصبح العدالة جزءا من معركة إسقاط النظام

صور لشهداء مجزرة صیف عام 1988 في ایران-

بحزاني – منى سالم الجبوري:
لم تعد مجذبحة السجناء السياسيين في مجزرة صیف عام 1988 في إيران مجرد صفحة سوداء في سجل نظام الملالي، ولا مجرد قضية حقوقية تنتظر فتح ملفاتها أمام المحاكم. بعد مرور ثمانية وثلاثين عاما، تبدو تلك المجزرة، بما رافقها من إعدامات جماعية وغياب للمحاسبة، وكأنها جرح مفتوح يعيد إنتاج نفسه في إيران بأشكال جديدة.
وفي هذا السياق، تكتسب الدعوة التي طرحتها مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة للمقاومة الإيرانية، بشأن مقاضاة المخططين والآمرين والمنفذين لمجزرة 1988 أهمية تتجاوز المطالبة بالعدالة للضحايا. فهي تضع القضية في إطار أوسع: هل يمكن بناء مستقبل ديمقراطي في إيران من دون مواجهة الماضي ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم الكبرى؟
ترى رجوي أن الإجابة واضحة: لا يمكن فصل العدالة عن معركة الشعب الإيراني من أجل إسقاط نظام الملالي. فالنظام الذي أفلت من العقاب على واحدة من أبشع الجرائم بحق السجناء السياسيين خلال العقود الماضية، لم يتخل عن أدوات القمع، بل واصل استخدامها، وإن تغيرت الظروف والأسماء والأساليب.
كانت مجزرة 1988 نقطة مفصلية في تاريخ الجمهورية الإسلامية. فبموجب فتوى آية الله روح الله الخميني، جرى تنفيذ أحكام إعدام جماعية بحق سجناء سياسيين، كان معظمهم من أعضاء منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، فيما شملت عمليات الإعدام لاحقا سجناء سياسيين من تيارات أخرى. وقد تحولت تلك المجزرة إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في ملف حقوق الإنسان الإيراني، خصوصا مع استمرار غياب المحاسبة ومواصلة عدد من المتورطين فيها شغل مواقع عليا في مؤسسات النظام.
ولعل المفارقة الأكثر دلالة أن الزمن الذي كان يفترض أن يقود إلى كشف الحقيقة وتحقيق العدالة، قاد في الحالة الإيرانية إلى استمرار ثقافة الإفلات من العقاب. فبعد نحو أربعة عقود، لا يزال عدد من الذين ارتبطت أسماؤهم بمؤسسات القمع والإعدام في مواقع النفوذ، فيما تستمر أحكام الإعدام بحق المعارضين والنشطاء السياسيين.
وهنا تحديدا تكمن خطورة المسألة.
فالإعدام في النظام الإيراني ليس، وفق ما تطرحه المعارضة الإيرانية، مجرد عقوبة قضائية في قضايا جنائية، وإنما يتحول في كثير من الحالات إلى أداة سياسية لإرهاب المجتمع وإخماد الاحتجاجات ومنع تشكل موجة جديدة من المعارضة. ولذلك فإن ما يحدث اليوم يستدعي، في نظر منتقدي النظام، استحضار ما حدث عام 1988 لا باعتباره حدثا تاريخيا منفصلا، وإنما باعتباره جزءا من نمط متواصل من التعامل مع الخصوم السياسيين.
واللافت أن بعض السجناء السياسيين الذين أعدموا مؤخرا تركوا رسائل ومواقف تعكس، بحسب التقرير، إدراكا واضحا لهذا الترابط. فالسجين السياسي وحيد بني عامريان، الذي أعدم لاحقا، تحدث من داخل السجن عن إصراره على عدم المساومة على حياته مقابل التخلي عن مبادئه. وكذلك بويا قبادي، الذي كتب من سجنه بعد اندلاع انتفاضة يناير 2026، مؤكدا أنه لو كان خارج السجن لكان في طليعة المحتجين.
قد تختلف المواقف السياسية والفكرية تجاه هؤلاء السجناء أو تجاه القوى التي ينتمون إليها، لكن المسألة الأهم تبقى في حق الإنسان في محاكمة عادلة وحق المجتمع في معرفة الحقيقة. فالدولة التي تجعل الإعدام وسيلة لإسكات الخصوم، ثم تمنع التحقيق المستقل في عمليات القتل الجماعي السابقة، لا تواجه أزمة حقوقية فحسب، وإنما تواجه أزمة عميقة في مفهوم العدالة ذاته.
ومن هنا تأتي أهمية التحرك الدولي. فإبقاء ملف مجزرة 1988 في إطار البيانات والإدانات لن يكون كافيا، إذا كان الهدف هو وضع حد فعلي لسياسة الإفلات من العقاب. والمطلوب، كما تدعو رجوي، هو إنشاء آلية دولية للتحقيق والملاحقة، وتفعيل مبدأ الولاية القضائية العالمية بحق المسؤولين عن الجرائم الجسيمة.
وقد شكل الاعتراف الدولي المتزايد بوقائع الإعدامات التعسفية والانتهاكات المرتبطة بمجزرة 1988 تطورا مهما في مسار كشف الحقيقة، لكنه يظل خطوة أولى ما لم يتحول إلى إجراءات قضائية ملموسة.

فالمشكلة في إيران ليست أن النظام ارتكب جريمة في الماضي، وإنما أن المتورطين في جرائم الماضي تمكنوا من البقاء داخل منظومة السلطة، الأمر الذي جعل الإفلات من العقاب جزءا من بنية النظام نفسه.
ولهذا فإن معركة العدالة ليست منفصلة عن معركة التغيير.
إن إسقاط نظام سياسي لا يعني بالضرورة إسقاط ثقافة سياسية كاملة تشكلت على مدى عقود. وإذا كان مستقبل إيران مختلفا عما كان عليه في ظل الجمهورية الإسلامية، فإن هذا المستقبل يحتاج إلى عدالة انتقالية تكشف الحقيقة، وتحاسب المسؤولين، وتنصف الضحايا، وتمنع تكرار الجرائم.
وفي هذا الصدد، تطرح رجوي تصورا لإيران المستقبل يقوم، بحسب ما أورده التقرير، على إلغاء عقوبة الإعدام، وإقامة قضاء مستقل، وترسيخ أصل البراءة وحق الدفاع والمحاكمة العلنية، وإلغاء القوانين التي فرضتها منظومة الملالي وحل ما يسمى بمحاكم الثورة.
وهذه النقطة ربما هي الأكثر أهمية في الجدل الدائر حول مستقبل إيران: العدالة لا ينبغي أن تكون مجرد انتقام من الماضي، بل ضمانة لعدم تكراره.
فإذا كانت مجزرة 1988 قد كشفت كيف يمكن لتحويل القضاء إلى أداة سياسية أن يقود إلى كارثة إنسانية، فإن إيران المستقبلية مطالبة بأن تفعل العكس تماما: أن تجعل استقلال القضاء وحقوق المتهم وكرامة الإنسان خطوطًا حمراء لا يجوز لأي سلطة تجاوزها.
بعد ثمانية وثلاثين عاما، لا تزال أسماء الضحايا حاضرة، ولا تزال عائلاتهم تطالب بالحقيقة، ولا يزال السؤال الذي لم يجد جوابا كاملا مطروحا بقوة: من يحاسب الذين أصدروا الأوامر ونفذوها؟
وربما لهذا السبب تحديدا تتحول قضية 1988 اليوم من ملف للماضي إلى اختبار للمستقبل. فإذا كان الإفلات من العقاب قد ساهم في استمرار القمع، فإن إنهاء الإفلات من العقاب قد يكون أحد الشروط الضرورية لبناء إيران مختلفة؛ إيران لا يحكمها منطق السجن والإعدام والمجازر، بل دولة القانون والحرية والعدالة.
فالعدالة، في نهاية المطاف، ليست نهاية الثورة الديمقراطية؛ إنها أحد شروط انتصارها.