رئيس السلطة القضائية في نظام الملالي، غلام حسين محسني إيجئي-
الحوار المتمدن- سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:
لم تكن التصريحات الأخيرة لرئيس السلطة القضائية في نظام الملالي، غلام حسين محسني إيجئي، مجرد تحذيرات أمنية عابرة، ولا تكرارا للخطاب التقليدي الذي تلجأ إليه الأنظمة السلطوية كلما واجهت احتجاجا. فحين تتحول اجتماعات المجلس الأعلى للقضاء إلى منصة لإعلان الاستنفار والتحذير من “تحركات العدو” والتلويح بمزيد من العقوبات، فإن الرسالة الأهم لا تكمن فيما يقوله المسؤول، بل فيما يكشفه هذا الكلام من خلف الستار: النظام يستشعر خطرا حقيقيا من الداخل.
إيجئي تحدث عن جاهزية الأجهزة الاستخباراتية والأمنية والشرطية، وتعهد بأن يكون القضاء أكثر حسما في مواجهة من يهدد “أمن النظام”. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا كل هذا الاستنفار إذا كان النظام واثقا من قدرته على السيطرة؟
في الدول المستقرة، يعالج الاحتجاج بالسياسة والاقتصاد والإصلاح. أما حين يصبح القضاء جزءا من غرفة العمليات الأمنية، فهذا يعني أن السلطة لم تعد ترى المجتمع شريكا في الدولة، بل مصدرا محتملا للخطر. وهنا تكشف تهديدات إيجئي عن طبيعة العلاقة التي تحكمها السلطة مع الشارع الإيراني: الأمن قبل السياسة، والقمع قبل الإصلاح.
الأكثر دلالة في خطاب رئيس القضاء هو إصراره على التماسك الداخلي ووحدة الموقف بين أركان السلطة. فالإفراط في الحديث عن الوحدة غالبا ما يكشف أن الوحدة نفسها أصبحت موضع شك. وتحذيرات الولي الفقيه المتكررة من الانقسام داخل النظام لا تبدو منفصلة عن هذا السياق؛ إذ إن تراجع الموارد، وتصاعد الأزمات الاقتصادية، وتضارب المصالح والنفوذ، كلها عوامل تجعل الصراع داخل منظومة الحكم أكثر حدة.
لكن هناك جبهة أخرى تبدو أكثر إزعاجا للنظام: الفضاء الرقمي.
فحملة إيجئي على ما يسميه “المواد المفبركة” تكشف مأزقا عميقا في منظومة الدعاية الرسمية. لم يعد النظام قادرا على احتكار الصورة أو الرواية كما كان في السابق. الهواتف وشبكات التواصل حولت المواطن إلى شاهد وناقل وموثق، وأصبح من الصعب دفن أخبار الاحتجاجات أو إخفاء آثار القمع خلف جدار الرقابة.
وهنا يلتقي العامل السياسي بالعامل الاقتصادي. فالفقر والبطالة وتدهور العملة وتراجع القدرة الشرائية لا تنتج مجرد استياء اجتماعي؛ إنها تراكم وقود قابل للاشتعال. وكلما عجز النظام عن تقديم حلول ملموسة، ازدادت حاجته إلى لغة التهديد، وكلما ارتفعت نبرة التهديد، اتسعت المسافة بين السلطة والمجتمع.
لهذا يمكن قراءة تصريحات إيجئي من زاوية مختلفة تماما: إنها ليست إعلانا عن قوة النظام بقدر ما هي محاولة لردع لحظة يخشى النظام وصولها.
لكن الرهان على العصا الأمنية قد ينجح في تأجيل الانفجار، لا في إلغاء أسبابه. فالمجتمعات لا تتوقف عن المطالبة بحقوقها لمجرد أن السلطة رفعت سقف العقوبات، ولا تختفي الأزمات الاقتصادية بإصدار الأحكام القضائية.
المعضلة الحقيقية التي يواجهها نظام ولاية الفقيه ليست احتجاجا يمكن إخماده، بل أزمة ثقة وشرعية تتسع في العمق.
ولهذا فإن السؤال الذي تطرحه تهديدات إيجئي ليس: هل يستطيع النظام اعتقال المزيد من المحتجين؟
بل: كم من الوقت يستطيع نظام يخشى شعبه إلى هذا الحد أن يؤجل لحظة مواجهة الشعب؟
قد يستطيع القضاء أن يفرض الصمت لبعض الوقت، وقد تستطيع الأجهزة الأمنية شراء مزيد من الوقت، لكن شراء الوقت ليس هو كسب المعركة. وفي النهاية، ستبقى المعركة الحاسمة في الشارع الإيراني، حيث يتحدد ما إذا كان الخوف سيبقى سلاح السلطة، أم يتحول إلى نقطة انهيارها.








