احراق صور خامنئي و الخمیني في الاحتجاجات الشعبیة في ایران-
الحوار المتمدن-سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:
ليس أخطر ما يواجهه النظام الإيراني اليوم عقوبة جديدة، ولا ضربة عسكرية، ولا انخفاضا في صادرات النفط. الأخطر أن هذه الأزمات كلها بدأت تتقاطع في لحظة واحدة، وأن ما كان النظام يؤجله طوال 47 عاما بدأ يتحول إلى استحقاق لا يمكن تأجيله إلى ما لا نهاية.
لقد بنت سلطة الولي الفقيه نموذج بقائها على معادلة واضحة: قمع الداخل، ومواجهة الخارج، وتوظيف موارد الدولة في خدمة مشروعها السياسي والأمني. وقد نجحت هذه المعادلة طويلا في شراء الوقت، لكنها عجزت عن صناعة الاستقرار. واليوم يبدو أن الوقت نفسه بدأ ينقلب على صاحبه.
الحرب الأخيرة لم تكن مجرد مواجهة عسكرية. فقد كشفت هشاشة في بنية القوة الإيرانية، وأعادت ترتيب هرم السلطة بعد مقتل علي خامنئي وصعود مجتبى خامنئي إلى موقع المرشد، في وقت تواجه فيه القيادة الجديدة مهمة شاقة تتمثل في إثبات قدرتها على إدارة دولة مثقلة بالأزمات.
أما اقتصاديا، فلم تعد المسألة مجرد عقوبات يمكن الالتفاف عليها كما حدث في السابق. صادرات النفط تعرضت لضغوط شديدة، والوصول إلى العائدات المالية أصبح أكثر صعوبة، فيما تتفاقم أزمة العملة والتضخم وارتفاع أسعار الغذاء. وحتى النفط الذي ما زالت طهران قادرة على تصديره لا يعني بالضرورة أنها تستطيع استخدام عائداته بحرية.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى: النظام يحتاج إلى المال لإنقاذ الاقتصاد، ويحتاج إلى الاقتصاد لتهدئة المجتمع، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى تمويل مؤسساته الأمنية والعسكرية التي يراها ضمانة لبقائه.
إنها دائرة مغلقة.
ولذلك لم يعد القلق الاقتصادي حكرا على الشارع. فقد خرجت تحذيرات من داخل مؤسسات الحكم نفسها من أن القوة العسكرية لا تستطيع وحدها إنقاذ نظام يواجه مجتمعا مثقلا بالجوع والفقر وانهيار القدرة الشرائية. وهذه الاعترافات، مهما حاولت السلطة احتواء معناها، تكشف أن الخوف من الداخل أصبح ينافس الخوف من الخارج.
لكن السؤال الأهم هو: هل يعني ذلك أن سقوط النظام بات وشيكا؟
ليس بالضرورة.
فالنظام الإيراني أثبت خلال العقود الماضية قدرة كبيرة على امتصاص الصدمات، وقمع الاحتجاجات، وإعادة ترتيب صفوفه بعد الأزمات. ولذلك فإن الحديث عن انهيار حتمي وفوري سيكون تبسيطا للمشهد.
غير أن هناك فرقا جوهريا بين قدرة النظام على البقاء وقدرته على إعادة إنتاج نفسه.
قد يستطيع النظام البقاء، لكنه يدفع ثمنا متزايدا لهذا البقاء: اقتصاد أكثر إنهاكا، مجتمع أقل ثقة، مؤسسات أكثر عسكرة، وقيادة تحتاج إلى إثبات شرعيتها وقدرتها على الحكم.
وهنا تكمن المسألة.
فالأنظمة لا تسقط دائما عندما تنفد أموالها، وإنما عندما تفقد القدرة على إقناع المجتمع بأن استمرارها أقل كلفة من تغييرها.
لقد زرع النظام الإيراني، على مدى عقود، أزمات داخلية وخارجية، وها هو اليوم يواجه حصادها دفعة واحدة.
ولذلك فإن المعركة الحقيقية المقبلة قد لا تكون بين إيران والولايات المتحدة، ولا بين النظام ومعارضيه في الخارج، بل بين نظام يريد شراء مزيد من الوقت، ومجتمع لم يعد مستعدا لدفع ثمن هذا الوقت.
إنها لحظة استحقاق تاريخي.
فالسؤال لم يعد: هل يستطيع النظام الإيراني أن يبقى؟
بل: إلى متى يستطيع أن يبقى بالشكل نفسه؟
وهذا، في النهاية، هو السؤال الذي ستجيب عنه إيران… لا شعارات السلطة.








