موقع المجلس:
كشفت الأجهزة الأمنية التابعة للنظام الإيراني عن إعداد خطة تهدف إلى نشر عناصرها القمعية، إلى جانب ما يُعرف بـ«شرطة الأمن الاقتصادي»، داخل محطات الوقود في مختلف المدن الإيرانية، بذريعة مواجهة تهريب المحروقات وملاحقة المخالفات.

وتأتي هذه الخطوة في إطار تحرك استباقي يعكس حالة القلق والهلع التي تسيطر على أركان نظام الولي الفقيه، خشية اندلاع احتجاجات شعبية واسعة على خلفية أزمة الوقود والتوجه نحو زيادة أسعاره. وتترافق هذه الإجراءات الأمنية مع حالة واضحة من التخبط وتضارب المواقف بين مسؤولي حكومة مسعود بزشكيان وأعضاء البرلمان، بما يكشف المخاوف المتزايدة من عودة موجات الاحتجاج الشعبي الكبرى.
تصاعد احتجاجات المتقاعدين: «كفى حروباً.. موائدنا خالية»
في الوقت نفسه، استمرت التحركات الاحتجاجية للمتقاعدين، بمشاركة شرائح مختلفة من الكادحين، في عدد من المدن الإيرانية، من بينها شوش وأصفهان وبندر أنزلي.
وتزامنت هذه الاحتجاجات مع انهيار غير مسبوق في قيمة العملة الوطنية، حيث بلغ سعر الدولار نحو 199 ألف تومان، الأمر الذي انعكس على الأسواق وأدى إلى حالة من الشلل، فيما عبّر المحتجون عن رفضهم لسياسات النهب وإشعال الحروب.
محطات الوقود تحت الرقابة الأمنية.. ذريعة لمراقبة أماكن تجمع المواطنين
أعلن القيادي في قوى الأمن الداخلي، المدعو رحيمي، بدء تنفيذ خطة أمنية تستهدف مراقبة محطات الوقود وتطويقها، بحجة اكتشاف نحو 100 مسار لتهريب الوقود، مدعياً أن محطات التعبئة تُعد من أهم النقاط التي ينشط فيها التهريب.
وأشار رحيمي إلى أن الإجراءات التي بدأت في محافظتي بوشهر وهرمزغان، والتي شملت استدعاء مديري المحطات وفرض الغرامات عليهم، لن تكون مؤقتة، بل ستتحول إلى سياسة مستمرة يجري تعميمها في أنحاء البلاد.
وبموجب الخطة، ستنتشر الفرق الأمنية في محطات الوقود، إضافة إلى المنافذ الجمركية والأسواق الحدودية.
كما سارعت وسائل الإعلام الرسمية، وفي مقدمتها وكالة «مهر» التابعة للمخابرات، إلى تقديم مبررات لهذا الانتشار الأمني، مشيرة إلى أن محطات الوقود تستقبل ملايين المواطنين يومياً. ويُنظر إلى هذا التبرير باعتباره إقراراً غير مباشر بمخاوف النظام من تحول طوابير الانتظار أمام المحطات إلى نقاط تجمع واحتجاج ضد السلطة وما تصفه المعارضة بمافيات التهريب المرتبطة بـحرس النظام الإيراني.
تضارب داخل الحكومة.. اعتراف بالأزمة ومحاولات لإنكارها
برزت حالة الارتباك داخل مؤسسات الحكم من خلال التصريحات المتناقضة الصادرة عن مسؤولي حكومة بزشكيان، والتي عكست عمق الأزمة الاقتصادية والسياسية:
إقرار بضرورة رفع الأسعار واللجوء إلى الاستيراد
أكد المساعد التنفيذي لرئيس الجمهورية، محمد جعفر قائمبناه، أن تعديل أسعار البنزين والديزل ورفعها بات أمراً حتمياً.
واعترف بإنفاق مليارات الدولارات على استيراد الوقود بسبب عدم كفاية الإنتاج المحلي، كما أقر بما وصفه بـ«الوقوع تحت وطأة الحصار البحري الأمريكي».
وحاول قائمبناه تبرير رفع الأسعار بالحديث عن عدم عدالة توزيع الدعم، ولا سيما استفادة مالكي السيارات منه بصورة أكبر مقارنة بغير مالكيها.
ارتفاع استهلاك البنزين مقابل نفي وجود أزمة في الإمدادات
من جانبه، أعلن الرئيس التنفيذي للشركة الوطنية لتكرير وتوزيع المشتقات النفطية، محمد صادق عظيمي فر، أن استهلاك البنزين في طهران ارتفع بنسبة 30 بالمائة، مع تسجيل مستويات قياسية في التوزيع.
ورغم ذلك، أرجع الازدحام وإغلاق بعض المحطات إلى ما سماه «الشائعات»، مؤكداً أن سلاسل الإمداد مستقرة، رغم استمرار الطوابير الطويلة أمام محطات الوقود.
رسائل تهدئة رسمية بشأن الزيادة
وفي محاولة لاحتواء القلق الشعبي، نفت المتحدثة باسم الحكومة، فاطمة مهاجراني، اتخاذ قرار رسمي بشأن رفع أسعار البنزين.
وقالت إن أي عملية إصلاح ستتم بصورة «هادئة وتدريجية»، بهدف تجنب إحداث صدمة معيشية للمواطنين، وهو موقف يتناقض بشكل واضح مع التصريحات التي أدلى بها مساعد بزشكيان بشأن حتمية تعديل الأسعار.
احتجاجات جديدة في ست مناطق إيرانية بسبب الأوضاع المعيشية والفصل التعسفي
وبالتوازي مع أزمة الوقود، شهدت طهران وأصفهان وكرمانشاه وكردستان وماهشهر وشادغان موجة جديدة من الاحتجاجات.
وشارك في هذه التحركات عاملون في القطاع الصحي، ومتقاعدون من شركة الاتصالات، وعمال البلديات، إلى جانب عمال قطاع الصلب.
ورفع المحتجون مطالب تتعلق بالتدهور الحاد في ظروف المعيشة، والفصل التعسفي من العمل، فضلاً عن ما وصفوه بالنهب المنظم لمستحقات الكادحين من جانب المؤسسات الاقتصادية التابعة للنظام.
تحذيرات من داخل البرلمان: «لا تلعبوا بأعصاب المواطنين»
لم يقتصر القلق على الأجهزة التنفيذية والأمنية، بل امتد إلى البرلمان، حيث حذر نائب رئيس البرلمان، علي نيكزاد، من النتائج المحتملة لفرض أسعار مرتفعة للبنزين قد تتراوح بين 70 و85 ألف تومان للتر الواحد.
وكشف عن مقترحات لتقليص الحصص الشهرية، بحيث يتم خفض حصة البنزين بسعر 3000 تومان من 70 إلى 50 لتراً، وحصة البنزين بسعر 5000 تومان من 30 إلى 15 لتراً، مع الإبقاء على الحصة المدعومة بسعر 1500 تومان عند 60 لتراً.
وحذر نيكزاد من اتخاذ قرارات تتعلق بأسعار مرتفعة من دون تنسيق، مؤكداً ضرورة عدم العبث بأعصاب المواطنين ومشاعرهم.
بدوره، حذر النائب في برلمان النظام كريمي من تداعيات زيادة الأسعار وتحميل المواطنين والمزارعين أعباء مالية إضافية في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.
ودعا إلى معالجة المشكلة من خلال تقليص النفقات ومواجهة عمليات التهريب المنظمة، بدلاً من تحميل الفئات الفقيرة أعباء الأزمة.
الخوف من انتفاضة الوقود يربك حسابات النظام
إن تزامن تشديد الوجود الأمني داخل محطات الوقود مع حالة التخبط السياسي والتناقض الواضح في تصريحات المسؤولين يكشف عن حقيقة أساسية، وهي أن نظام الولي الفقيه يدرك حجم الاحتقان الشعبي الكامن في المجتمع.
فالنظام، الذي يستنزف موارد الطاقة والثروات العامة في تمويل أجهزته القمعية وميليشياته الإرهابية، يواجه في المقابل صعوبات متزايدة في تأمين احتياجات البلاد من البنزين والسيطرة على التدهور الاقتصادي.
وفي ظل هذه الظروف، يبدو أن السلطات تخشى من أن يؤدي رفع أسعار الوقود إلى إشعال موجة غضب واسعة، وتحول أزمة المحروقات إلى شرارة مباشرة لاحتجاجات شعبية أكبر تهدد استمرار النظام الاستبدادي.








