بحزاني- سعاد عزيز:
ليس من الصعب أن تنشأ معارضة سياسية في مواجهة نظام استبدادي، لكن الصعوبة الحقيقية تكمن في أن تستمر هذه المعارضة لعقود، وأن تحافظ على تماسكها، وأن تطور مشروعها السياسي، وأن تبقى حاضرة في النقاش الدولي باعتبارها بديلا ممكنا. وهذه المعايير هي التي تجعل من القيادة السياسية عاملا حاسما في نجاح أي حركة تغيير.
وفي الحالة الإيرانية، تبرز مريم رجوي بوصفها إحدى الشخصيات التي ارتبط اسمها بهذا النوع من القيادة. فمنذ أكثر من أربعة عقود، حافظت على موقعها في قيادة المعارضة الوطنية، ليس بفضل الظروف، وإنما بفضل قدرتها على إدارة تنظيم سياسي واجه ضغوطا أمنية وسياسية وإعلامية غير مسبوقة، ومع ذلك استطاع أن يستمر وأن يتوسع في نشاطه.
إن قيمة القيادة لا تقاس بعدد الخطب أو البيانات، وإنما بقدرتها على تحويل الأفكار الى مشروع سياسي متماسك. ومن هنا، اكتسبت تجربة مريم رجوي خصوصيتها، إذ اقترنت بقيادة مشروع يطرح بديلا يقوم على مبادئ الجمهورية، والتعددية السياسية، والانتخابات الحرة، وفصل الدين عن الدولة، والمساواة بين المرأة والرجل، واحترام حقوق الإنسان وإلغاء عقوبة الإعدام. وبغض النظر عن المواقف المختلفة من هذا المشروع، فإنه يمثل رؤية سياسية متكاملة، لا مجرد موقف احتجاجي.
ومن أبرز عناصر نجاحها أيضا قدرتها على الحفاظ على وحدة المعارضة في مواجهة محاولات التفكيك والاستنزاف. فالتاريخ السياسي يؤكد أن معظم الحركات المعارضة تتعرض مع مرور الزمن للانقسام أو التراجع، بينما تمكنت المؤسسات التي تقودها من المحافظة على حضورها السياسي والتنظيمي، والاستمرار في عقد مؤتمراتها، وبناء شبكة واسعة من العلاقات مع شخصيات وبرلمانيين ومسؤولين سابقين من مختلف دول العالم.
كما قدمت نموذجا مختلفا لدور المرأة في الحياة السياسية الإيرانية. ففي بيئة ظلت القيادة فيها حكرا على الرجال لعقود طويلة، استطاعت أن تفرض حضورها بوصفها قائدة سياسية كاملة الصلاحيات، تجمع بين الرؤية الفكرية والإدارة التنظيمية والعمل الدبلوماسي، وهو ما منح تجربتها بعدا يتجاوز حدود المعارضة الإيرانية الى النقاش العالمي حول مشاركة المرأة في قيادة الحركات السياسية.
ومع تصاعد الاحتجاجات الشعبية داخل إيران خلال السنوات الأخيرة، عاد الحديث بقوة عن البدائل السياسية القادرة على إدارة مرحلة انتقالية إذا ما شهدت البلاد تحولا جذريا. وفي هذا السياق، اكتسبت شخصية مريم رجوي حضورا أكبر، ليس فقط بسبب تاريخها الطويل، بل أيضا لأنها تقود تنظيما يمتلك برنامجا سياسيا معلنا وهيكلا مؤسسيا وخبرة تراكمية في العمل المعارض، وهي عناصر يراها كثير من المتابعين ضرورية لأي بديل يسعى الى الانتقال من موقع المعارضة إلى موقع بناء الدولة.
لقد أثبتت التجارب أن القيادة ليست حدثا عابرا، بل حصيلة سنوات طويلة من الثبات والقدرة على التكيف مع المتغيرات دون التخلي عن المبادئ الأساسية. ومن هذه الزاوية، تبدو تجربة مريم رجوي جديرة بالدراسة، لأنها تقدم نموذجا لقيادة سياسية استطاعت أن تحافظ على مشروعها رغم تعاقب الأزمات الإقليمية والدولية، وأن تبقي قضية التغيير الديمقراطي في إيران حاضرة في الأجندة الدولية.
وفي نهاية المطاف، قد تختلف الآراء حول القوى السياسية والبرامج المطروحة، لكن التاريخ يميل إلى الاحتفاظ بأسماء القيادات التي تنجح في تحويل المعارضة من رد فعل الى مشروع، ومن الاحتجاج إلى رؤية، ومن الأمل إلى تنظيم قادر على الاستمرار، ومن هذه الزاوية، يمكن فهم المكانة التي احتلتها مريم رجوي في المشهد السياسي الإيراني طوال العقود الأربعة الماضية.
مريم رجوي الرئيسة الجمهورية لإيران المستقبل








