الاحتجاجات الشعبیةفي ایران-
الحوار المتمدن-سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:
لم يعد الحديث عن عمق الأزمة التي يعيشها النظام الإيراني مجرد توصيف سياسي أو مبالغة إعلامية، بل باتت مؤشرات الواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي تكشف عن أزمة مركبة تتجاوز حدود الأزمات الدورية إلى مرحلة أكثر خطورة: مرحلة اهتزاز قدرة النظام على إدارة الدولة واحتواء المجتمع. فخلف الخطاب الرسمي الذي يصر على إظهار التماسك والقوة، تتراكم شواهد الانهاك والتفكك، ويتسع الفارق بين ما تقوله السلطة عن استقرارها وما يكشفه الواقع عن هشاشتها.
إن أخطر ما يواجهه النظام اليوم ليس مؤشرا اقتصاديا منفردا، ولا خلافا عابرا داخل الحكومة، ولا احتجاجا مطلبيا هنا أو إضرابا عماليا هناك، وإنما تزامن هذه الأزمات وتفاعلها بحيث تغذي كل واحدة منها الأخرى. فالاقتصاد المتداعي يولد السخط الاجتماعي، والسخط يفاقم الانقسامات داخل السلطة، والانقسامات تعمق العجز الإداري، والعجز يدفع النظام إلى المزيد من القمع والجباية، وهو ما يعيد إنتاج الغضب الشعبي على نطاق أوسع.
اقتصاد يقترب من نقطة الانفجار
الأرقام الواردة من داخل مؤسسات النظام نفسه ترسم صورة شديدة القتامة. فالتضخم لم يعد ظاهرة اقتصادية يمكن احتواؤها بإجراءات تقليدية، وإنما تحول إلى عامل يهدد الاستقرار الاجتماعي مباشرة. ومع ارتفاع التضخم الصناعي إلى مستويات قياسية، وتزايد أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية، اتسعت الفجوة بين الأجور وتكاليف المعيشة إلى درجة تجعل ملايين الإيرانيين عاجزين عن تأمين الحد الأدنى من احتياجاتهم.
وحين تحتاج الأسرة الحضرية إلى أكثر من 90 مليون تومان شهريا لتغطية نفقات المعيشة، بينما لا يتجاوز الحد الأدنى للأجور نحو 26 مليون تومان، فإن المشكلة لم تعد مجرد انخفاض في القوة الشرائية، بل أصبحت أزمة معيشية تهدد قطاعات واسعة من المجتمع.
وفي الوقت نفسه، تتجه الحكومة إلى زيادة الجباية الضريبية، في وقت تتعرض فيه المنشآت الإنتاجية والحرفية للإغلاق والتصفية. وهذه السياسة قد توفر موارد مؤقتة للخزينة، لكنها تستنزف الاقتصاد الحقيقي وتقلص فرص العمل وتدفع المزيد من المواطنين نحو الفقر.
عندما يبدأ النظام بفقدان السيطرة على نفسه
الأخطر من الأزمة الاقتصادية هو انعكاساتها داخل بنية السلطة. فالتحذيرات الصادرة عن مسؤولين كبار بشأن التضخم والغلاء ومخاطر التصدع الاجتماعي تكشف أن هاجس الشارع لم يعد بعيدا عن دوائر صنع القرار، بل أصبح جزءا من حساباتها اليومية.
وتتزايد هذه المخاوف مع الخلافات داخل حكومة مسعود بزشكيان، والتي وصلت إلى صدامات حول القرارات الإدارية والإقالات والتعيينات. وعندما تتحول قضية إدارية إلى أزمة سياسية وبرلمانية، فإن ذلك يكشف ضعف آليات التنسيق داخل السلطة نفسها.
وهذه واحدة من علامات الأنظمة التي تدخل مراحلها الحرجة: حين تبدأ مؤسسات الحكم بالانشغال بإدارة صراعاتها الداخلية أكثر من قدرتها على إدارة أزمات المجتمع.
القمع لا يعالج الأزمة
وتكشف محاولات تشديد القيود الأمنية على التواصل مع وسائل الإعلام الخارجية عن مستوى القلق الذي بات يحكم سلوك السلطة. فالنظام الذي يشعر بأن قبضته تتراخى يحاول إغلاق المزيد من النوافذ، لكن زيادة القيود لا تعالج أسباب الاختراقات والأزمات، بل تعمق عزلة السلطة عن المجتمع.
كما أن الاعتراضات الصادرة من شخصيات قريبة من دوائر الحكم على بعض هذه الإجراءات تعكس وجود خلاف بين من يرى في المزيد من القمع وسيلة لحماية النظام، ومن يدرك أن الإفراط فيه قد يزيد عزلة السلطة ويعمق أزمتها.
ثروة البلاد بين الجباية والاقتصاد الموازي
في الجانب الاقتصادي، تكشف قضية بيع النفط عبر شبكات الوسطاء والسماسرة عن مفارقة صارخة. فبلد يمتلك ثروة نفطية هائلة يجد نفسه مضطرا إلى استخدام قنوات معقدة لبيع نفطه، بينما تستفيد شبكات متنفذة من اقتصاد العقوبات والعمولات والوساطة.
وهنا لا تكمن المشكلة في العقوبات وحدها، بل في منظومة مصالح نشأت حول الاقتصاد الموازي وأصبحت مرتبطة ببقاء الوضع القائم. وهذا يجعل الإصلاح الحقيقي أكثر صعوبة، لأن الإصلاح يعني بالنسبة لهذه الشبكات خسارة امتيازات وثروات ونفوذ.
الشارع بدأ يحدد عنوان الأزمة
لكن العامل الأكثر أهمية يبقى الشارع. فعندما يتحول الاحتجاج من مطالب اقتصادية محددة إلى هتافات تستهدف بصورة مباشرة المؤسسات التي يعتبرها المحتجون مسؤولة عن الفساد والنهب، فإن طبيعة الاحتجاج تكون قد بدأت تتغير.
وتكتسب احتجاجات المتقاعدين والعمال في قطاعات الاتصالات والطاقة أهمية خاصة، لأنها لا تعكس مجرد مطالب مهنية، بل تكشف اتساع الفجوة بين المجتمع ومؤسسات السلطة. وعندما تدخل قطاعات الطاقة في إضرابات، فإن المسألة تتجاوز بعدها الاجتماعي لتصبح ذات تأثير اقتصادي وسياسي مباشر.
ويجد النظام نفسه أمام معادلة شديدة الصعوبة: رفع أسعار الوقود قد يشعل الشارع، بينما الاستمرار في دعم الأسعار واستنزاف الموارد يفاقم العجز المالي. أي أن كل خيار يحمل في داخله خطرا سياسيا.
الهاوية ليست أزمة واحدة
الأنظمة لا تسقط عادة بسبب أزمة واحدة، وإنما عندما تفقد القدرة على معالجة أزماتها واحدة بعد الأخرى، فتتحول الأزمات إلى منظومة مترابطة تتغذى من بعضها البعض. وهذا تحديدا ما يبدو أنه يحدث في إيران: اقتصاد مأزوم، تضخم متصاعد، تراجع في القدرة الشرائية، جباية متزايدة، فساد، اقتصاد مواز، انقسامات داخل مؤسسات الحكم، عجز إداري، وخوف متزايد من الشارع.
فالقوة الأمنية تستطيع تفريق مظاهرة، لكنها لا تستطيع خفض التضخم. والاعتقالات تستطيع إسكات هتاف مؤقتا، لكنها لا تستطيع توفير الغذاء لعائلة فقيرة. والدعاية تستطيع إنكار الأزمة، لكنها لا تستطيع تغيير أسعار السوق.
لقد أمضى النظام سنوات طويلة في إدارة الأزمات بدلا من حلها، وفي شراء الوقت بدلا من معالجة جذور المشكلات. لكن الوقت الذي كان يمثل فرصة للنظام أصبح اليوم عبئا عليه، لأن كل سنة إضافية من الفساد والقمع وسوء الإدارة عمقت الاحتقان ووسعت قاعدة المتضررين.
ولهذا يبدو النظام الإيراني أقرب ما يكون إلى الهاوية: ليس لأنه يواجه أزمة واحدة، وإنما لأنه يواجه أزمات متزامنة تضرب الاقتصاد والسلطة والمجتمع في آن واحد. وقد يبدو متماسكا من الخارج، ويمتلك أجهزة أمنية وقمعية ضخمة، لكن التماسك الأمني لا يعني بالضرورة الاستقرار السياسي.
وحين يصبح الخوف وسيلة للحكم، والجباية بديلا عن التنمية، والقمع بديلا عن الإصلاح، فإن المظهر الخارجي للقوة قد يخفي وراءه بنية تتآكل من الداخل. وربما لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كان النظام يواجه لحظة انفجار، بل متى تتجمع هذه التناقضات في لحظة واحدة، وتتحول من أزمات متفرقة إلى نقطة تحول حاسمة في مستقبل إيران.








