ماذا لو أصبحت مريم رجوي رئيسة لإيران؟
ماذا سيحدث لإيران إذا انتهى نظام ولاية الفقيه، وانتقلت البلاد إلى مرحلة سياسية جديدة؟ ومن يمتلك مشروعا قابلا لملء الفراغ الذي سيتركه هذا النظام؟
ميدل ايست نيوز- نزار جاف:
قد يبدو السؤال، للوهلة الأولى، أقرب الى سيناريو سياسي افتراضي منه إلى احتمال قابل للنقاش، لكن السياسة لا تقاس دائما بما يبدو ممكنا اليوم، بل بما يمكن أن يصبح ممكنا غدا عندما تتهاوى منظومات بدت، في وقت ما، عصية على السقوط.
ومن هنا، فإن السؤال عن مريم رجوي لا ينبغي أن يقرأ بوصفه سؤالا عن شخص بعينه، بقدر ما ينبغي أن يقرأ باعتباره سؤالا أكبر: ماذا سيحدث لإيران إذا انتهى نظام ولاية الفقيه، وانتقلت البلاد إلى مرحلة سياسية جديدة؟ ومن يمتلك مشروعا قابلا لملء الفراغ الذي سيتركه هذا النظام؟، فإيران اليوم ليست أمام تغيير حكومي عابر، إنها أمام أزمة نموذج سياسي استنفد كثيرا من قدرته على الاستمرار، وأمام مجتمع راكم خلال عقود طويلة أسبابا سياسية واقتصادية واجتماعية تجعل مسألة التغيير تتجاوز مجرد استبدال حاكم بحاكم.
وهنا تحديدا تصبح فرضية وصول مريم رجوي إلى موقع رئاسة الجمهورية خلال مرحلة انتقالية جديرة بالتوقف عندها.
لقد أتيحت لي، خلال حضوري عددا كبيرا من المؤتمرات الصحفية التي عقدتها السيدة مريم رجوي في باريس، فرصة الاقتراب من شخصيتها السياسية بصورة مباشرة، وليس عبر الصور النمطية التي كثيرا ما تصنع حول الشخصيات المعارضة. وما لفت انتباهي في تلك اللقاءات لم يكن مجرد قدرتها على الخطابة، وإنما سرعة بديهتها، واتساع إحاطتها بتفاصيل الوضع الإيراني، وقدرتها على استحضار الوقائع والأرقام والأسماء بصورة دقيقة أثناء الإجابة عن أسئلة الصحفيين.
لكن الأهم من ذلك كان أسلوبها في إدارة الحوار، حيث كانت تتعامل مع الأسئلة، بما فيها الصعبة أو المحرجة، باعتبارها جزءا من المعركة السياسية والإعلامية، لا مجرد مناسبة لإلقاء خطاب معد مسبقا. وفي ذلك بدت أمامي شخصية سياسية تمتلك قدرا واضحا من الثبات والقدرة على بناء خطاب مترابط، وهي صفات لا يمكن تجاهلها عند محاولة تقييم أي شخصية قد تكون لها أدوار في مرحلة انتقالية مقبلة.
ومع ذلك، فإن أهمية الفرضية لا تكمن في شخصية مريم رجوي وحدها، بل إن الأهم هو المشروع الذي تقف خلفه، فالمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية يطرح تصورا لإيران مختلفة جذريا عن إيران التي عرفها العالم منذ عام 1979: دولة تقوم شرعيتها على أصوات المواطنين لا على التفويض الديني، وتفصل الدين عن الدولة، وتعترف بالتعددية السياسية، وتساوي بين المرأة والرجل، وتؤكد حقوق الإنسان، وتطرح إلغاء عقوبة الإعدام، وتدعو الى علاقات تقوم على حسن الجوار وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى.
قد يختلف المرء مع هذا المشروع، وقد يطرح أسئلة مشروعة حول فرص تطبيقه أو طبيعة المرحلة الانتقالية التي يتحدث عنها، لكن من الصعب إنكار حقيقة أساسية: إنه يقدم تصورا سياسيا يقع في الضفة المقابلة تماما للنظام القائم في طهران.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى، فلو أصبحت مريم رجوي رئيسة لإيران في مرحلة انتقالية، فإن المسألة لن تكون مجرد تغيير اسم الرئيس أو تبديل الحكومة، سيكون التغيير الحقيقي في مصدر الشرعية السياسية نفسه.
منذ قيام الجمهورية الإسلامية، بنيت شرعية السلطة على مفهوم ولاية الفقيه؛ أي على أولوية المرجعية العقائدية على الإرادة الشعبية. أما النظام الديمقراطي، فيفترض العكس تماما: الشعب هو مصدر الشرعية، والحكومة تستمد سلطتها من صندوق الاقتراع، والقانون لا يخضع لشخص أو مؤسسة فوق الدولة.
وهذا الفرق ليس تفصيلا دستوريا. إنه الفرق بين دولتين، بل بين مفهومين متناقضين للدولة والسلطة والمواطن، لكن السؤال الأكثر صعوبة سيبدأ بعد ذلك: هل تستطيع إيران أن تنهض اقتصاديا بمجرد سقوط النظام؟
الجواب بالطبع: لا، فإيران الجديدة، حتى لو ولدت من رحم تغيير سياسي كبير، سترث تركة ثقيلة: اقتصادا مثقلا بالأزمات، فسادا متجذرا، تضخما، عقوبات دولية، ضعفا في الاستثمار، هجرة للكفاءات، وبنية مؤسساتية تعرضت خلال عقود للتسييس والأدلجة.
غير أن إيران تمتلك في المقابل ما يكفي لجعل النهوض الاقتصادي ممكنا: موارد طبيعية هائلة، موقعا جغرافيا استثنائيا، سوقا واسعة، وثروة بشرية كبيرة.
المشكلة لم تكن في غياب الإمكانات، وإنما في الطريقة التي جرى بها توظيفها، فأموال بلد غني بالموارد يمكن أن تتحول إلى مدارس ومستشفيات ومصانع وفرص عمل، كما يمكن أن تتحول إلى صواريخ وميليشيات وشبكات نفوذ وحروب بالوكالة.
والفارق بين الخيارين هو، في النهاية، فارق سياسي قبل أن يكون اقتصاديا. لذلك فإن أحد أكبر الاختبارات أمام أي سلطة إيرانية جديدة سيكون: هل تستطيع إعادة توجيه موارد الدولة من مشروع الهيمنة الإقليمية إلى مشروع بناء الدولة؟ إذا حدث ذلك، فإن تأثيره لن يتوقف عند حدود إيران.
العراق، وسوريا، ولبنان، واليمن، ودول الخليج، بل المنطقة بأكملها، ستواجه معادلة إيرانية مختلفة. إيران التي تبحث عن علاقات طبيعية مع جيرانها ستكون شيئا آخر تماما عن إيران التي جعلت من تصدير النفوذ وبناء الأذرع المسلحة إحدى أدوات سياستها الخارجية.
وقد يكون هذا التحول من أكثر التحولات الجيوسياسية أهمية في الشرق الأوسط خلال العقود الأخيرة، لكن هنا أيضا يجب ألا نقع في فخ الرومانسية السياسية، فإسقاط نظام استبدادي لا يعني تلقائيا ولادة الديمقراطية. والانتقال من نظام شمولي إلى نظام تعددي هو أصعب بكثير من إسقاط النظام نفسه.
هناك مؤسسات أمنية وعسكرية، وشبكات اقتصادية، ومصالح متشابكة، وأجيال من المسؤولين الذين ارتبطت امتيازاتهم بالنظام القديم. وهناك أيضا مجتمع شديد التعقيد، وتيارات سياسية وفكرية وقومية متعددة، ومطالب متباينة قد تجعل مرحلة ما بعد التغيير مليئة بالاختبارات.
ومن هنا ستكون العدالة الانتقالية واحدة من أصعب الملفات، فإيران الجديدة ستحتاج إلى محاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات، لكنها ستحتاج في الوقت نفسه إلى منع العدالة من التحول إلى انتقام، وإلى بناء مؤسسات قادرة على استيعاب الاختلاف بدل إعادة إنتاج الإقصاء بصيغة جديدة.
وهنا تحديدا سيختبر أي مشروع سياسي، بما فيه المشروع الذي تمثله مريم رجوي، فالمبادئ الجميلة لا تكفي لبناء دولة.
الاختبار الحقيقي يبدأ عندما يصبح أصحاب المبادئ في موقع السلطة. عندها فقط سيعرف الإيرانيون هل تتحول الديمقراطية الى مؤسسات، والمساواة الى قوانين، وحقوق الإنسان الى ممارسة، والحرية الى واقع يومي، أم تبقى جميعها عناوين براقة في مرحلة المعارضة. ولهذا، فإن السؤال الذي بدأنا به ربما يحتاج الى إعادة صياغة: ليس السؤال فقط: ماذا لو أصبحت مريم رجوي رئيسة لإيران؟ بل السؤال الأكثر عمقا وإثارة هو: ماذا لو أصبحت إيران، للمرة الأولى منذ عقود، دولة لا يحكمها رجل دين، ولا مؤسسة عقائدية، ولا حرس ثوري، وإنما شعب يختار حكامه ويستطيع تغييرهم؟
عندها لن تكون مريم رجوي هي القضية الأساسية. ستكون القضية: أي إيران ستولد بعد الجمهورية الإسلامية؟ إيران التي تعيد إنتاج الاستبداد بوجه جديد، أم إيران التي تبدأ للمرة الأولى في بناء دولة حديثة تستمد شرعيتها من مواطنيها؟ وهنا فقط يصبح السؤال عن مريم رجوي أكثر من مجرد فرضية سياسية.
فإذا كانت مرحلة الانتقال هي الجسر بين إيران القديمة وإيران الجديدة، فإن قيمة أي شخصية تتولى قيادة ذلك الجسر لن تقاس فقط بقدرتها على الوصول إلى السلطة، وإنما بقدرتها على إيصال الإيرانيين الى الضفة الأخرى ثم تسليم القرار لهم، فالزعيم الذي يطلب السلطة لنفسه شيء، والسياسي الذي يقبل أن تكون مهمته الأساسية إعادة السلطة الى أصحابها شيء آخر تماما. وربما يكون هذا هو الاختبار الحقيقي لأي تغيير قادم في إيران.
أما إذا نجحت إيران في عبور هذا الاختبار، فإن التغيير لن يكون إيرانيا فقط، سيكون تحولا إقليميا كبيرا، لأن دولة بحجم إيران، بتاريخها ومواردها وموقعها، إذا انتقلت من منطق الثورة الدائمة والصراع الإقليمي إلى منطق الدولة والمصلحة الوطنية، فإن الشرق الأوسط كله سيضطر إلى إعادة حساباته.
وعندها فقط يمكن أن يصبح السؤال: ماذا لو أصبحت مريم رجوي رئيسة لإيران؟ أقل أهمية من السؤال الذي سيأتي بعده: ماذا لو أصبحت إيران أخيرا دولة يحكمها الإيرانيون؟ فالدول لا تستعيد عظمتها بكثرة أعدائها، ولا بكثرة صواريخها، ولا باتساع نفوذها خارج حدودها.
الدول تستعيد مكانتها عندما يصبح الإنسان فيها أكثر حرية، والقانون أكثر قوة، والمؤسسات أكثر استقلالا، والمستقبل أقل خوفا. وإذا وصلت إيران إلى تلك اللحظة، فلن يكون التغيير مجرد سقوط نظام وصعود آخر، سيكون، ببساطة، نهاية عصر وبداية إيران جديدة.








