صورة للانتفاضة الشعبة في ایران-
MEO -د. مصطفى عبدالقادر :
النظام الإيراني يخشى انتفاضة الشارع والمقاومة المنظمة أضعاف ما يخشاه من الضربات العسكرية الخارجية.
ما يهم النظام الايراني هو البقاء-
تتخبط الدوائر الغربية منذ عقود طويلة بين ثنائية فاشلة تدير بها أزمة النظام الإيراني؛ فإما سياسة الاسترضاء والمهادنة التي تقدم تنازلات دبلوماسية بلا طائل، وإما الاندفاع نحو المواجهات العسكرية المباشرة التي تمنح طهران ذرائع إضافية لتشديد قبضتها الأمنية.
ويكشف التحليل السياسي المعمّق أن هذا الانحصار في الخيارات يعكس فهماً قاصراً لطبيعة الثيوقراطية الحاكمة التي لا تهدف إلى التكيف مع الأعراف الدولية، بل تقتات على تصدير الأزمات والمواجهات المفتوحة لضمان بقائها.
فشل رهان تغيير السلوك وعقم الدبلوماسية
أثبتت الممارسات الميدانية على مدار خمسة عقود استحالة تغيير سلوك النظام الإيراني عبر الضغوط الاقتصادية المؤقتة أو المداراة الدبلوماسية. إن الهيكلية السياسية والأمنية لطهران قائمة على قمع الحريات وتفكيك بنية المجتمع المدني. وفي هذا السياق، تؤكد التقارير الميدانية المستقلة أن التركيز الغربي على الردود العسكرية المتبادلة يتجاهل قوة الرفض الداخلي، ممثلة في الحراك الشعبي والتنظيمات الميدانية التي تمثل التهديد الحقيقي الوحيد لاستقرار السلطة في الداخل.
رعب السلطة من الانتفاضة وفضيلة السلام
تشير المعطيات الأمنية إلى أن النظام الإيراني يخشى انتفاضة الشارع والمقاومة المنظمة أضعاف ما يخشاه من الضربات العسكرية الخارجية. ولو خُيرت القيادة في طهران بين خوض حرب إقليمية واسعة أو اعتراف دولي بـ ‘المقاومة الإيرانية المنظمة’، لاختارت الحرب دون تردد، فاستمرار أجواء التوتر والنزاعات المسلحة يشكل الدرع الواقي للنظام؛ إذ إن تحقيق الاستقرار والسلام يجرده من ذريعة الطوارئ، ويضعه وجهاً لوجه أمام المجتمع الإيراني المنتفض المطالب بحقوقه المسلوبة.
تصدع القبضة الأمنية وسقوط مدينة مشهد
تجلت هشاشة المنظومة الأمنية الحاكمة بوضوح خلال انتفاضة يناير الماضية، والتي كشفت الوثائق الرسمية والتقارير الموثوقة عن خروج مدينة مشهد — ثاني أكبر المدن الإيرانية — عن سيطرة الأجهزة الأمنية وسقوطها بأيدي المحتجين لفترة تراوحت بين ثلاثة وخمسة ساعات.
هذا الانهيار الموضعي للقبضة الأمنية يثبت أن المقاومة والشارع المنتفض يملكان القدرة الفعلية على شل آلة القمع، شريطة توفر الحد الأدنى من الدعم اللوجستي والمعلوماتي لتمكين المواطنين من تنظيم صفوفهم دون فرض أجندات خارجية.
معالم “الخيار الثالث” وكسر الحلقة المفرغة
يتطلب التعامل مع التعنت الإيراني تبني ما يُعرف استراتيجياً بـ’الخيار الثالث’، والذي يجمع بين ردع التجاوزات الإقليمية في الخارج وتصعيد كلفة القمع في الداخل. ولا يقتصر هذا المسار على حماية حرية الملاحة الدولية، بل يربط أي تنازلات اقتصادية بشروط حقوقية صارمة؛ تشمل وقف أحكام الإعدام السياسية، والكشف عن مصير المختفين قسراً، ورفع الحجب عن شبكة الإنترنت، وتوفير أدوات الاتصال الآمنة لتوثيق الانتهاكات. هذا النهج يسحب البساط من تحت أقدام التيار المتشدد ويحرمه من استغلال الشعارات القومية لحشد الشارع.
السجل الدموي وحتمية الدعم الحقوقي
تُظهر الإحصاءات الحقوقية الموثقة أن إيران تسجل أعلى معدل للإعدامات للفرد على مستوى العالم، حيث نُفذت الغالبية العظمى من هذه الأحكام نتيجة لمحاكمات صورية وانتقامية تهدف إلى بث الرعب في النفوس. إن هذه التضحيات الجسيمة التي تقدمها الجماهير بأيدٍ عارية تستوجب وقفة جادة من المجتمع الدولي تتجاوز حدود البيانات الإنشائية. إن الاعتراف السياسي الدولي بحق الشعب في تقرير مصيره وإسقاط الاستبداد يمثل الخطوة الأكثر عملية نحو بناء جمهورية ديمقراطية مستقلة تنهي عقوداً من التوتر الإقليمي.








