مريم رجوي الرئيسة الجمهورية لإيران المستقبل

مريم رجوي

اجتماع إيران حرة 2023: إلى الأمام نحو جمهورية ديمقراطية

المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية

ماتثير الإعجاب بشأن مجاهدي خلق

أحدث الاخباراقتصاد يدفع ثمن الحرب... والمواطن الإيراني يسدد فاتورة سنوات من الاختلال

اقتصاد يدفع ثمن الحرب… والمواطن الإيراني يسدد فاتورة سنوات من الاختلال

الحوار المتمدن- سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:
لم تكن الحرب الأخيرة سوى الشرارة التي كشفت حجم الهشاشة التي بلغها الاقتصاد الإيراني بعد سنوات طويلة من الاختلالات البنيوية وسوء الإدارة. فالأزمات التي تعصف اليوم بسوق العمل والإنتاج ومستويات المعيشة لا يمكن اختزالها في تداعيات المواجهة العسكرية وحدها، إذ إن هذه المواجهة سرعت من انهيار مؤشرات كانت تسير أصلا في اتجاه مقلق، لتضع الاقتصاد الإيراني أمام اختبار غير مسبوق.
الأرقام الرسمية الصادرة عن سوق العمل خلال ربيع عام 2026 تقدم صورة بالغة الدلالة. فقد خسر مئات الآلاف وظائفهم خلال أشهر قليلة، بينما تكبد القطاع الصناعي وحده فقدان أكثر من 600 ألف فرصة عمل. ولا تكمن خطورة هذه الأرقام في حجمها فحسب، وإنما في طبيعة القطاع المتضرر؛ فالصناعة تمثل العمود الفقري لأي اقتصاد منتج، وهي الأكثر ارتباطا بالاستثمار والتكنولوجيا والتشغيل، الأمر الذي يجعل تراجعها مؤشرا على أزمة أعمق من مجرد ركود عابر.
ويتزامن ذلك مع انخفاض المشاركة الاقتصادية إلى مستويات تعكس تراجع ثقة المواطنين بقدرة السوق على توفير فرص عمل حقيقية. فعندما يتوقف الآلاف عن البحث عن وظيفة، فإن البطالة تتحول من مشكلة اقتصادية إلى أزمة اجتماعية ونفسية، بما تحمله من تداعيات على الاستقرار الأسري ومستقبل الأجيال الشابة.
ولم يسلم العاملون أنفسهم من تداعيات الأزمة. فقد أصبحت العقود المؤقتة السمة الغالبة في سوق العمل، فيما لم تعد الأجور تواكب الارتفاع المتواصل في الأسعار، الأمر الذي أدى إلى تراجع القوة الشرائية بصورة غير مسبوقة. ومع كل موجة تضخم جديدة، تتآكل دخول الأسر أكثر، ويصبح تأمين الاحتياجات الأساسية تحديا يوميا لملايين الإيرانيين.
وتبرز المرأة الإيرانية بين أكثر الفئات تضررا، بعدما انخفضت مشاركتها في سوق العمل بصورة لافتة، وفقدت عشرات الآلاف من الأسر أحد أهم مصادر دخلها. ويكشف ذلك عن اقتصاد لم يعد قادرا على استيعاب الطاقات البشرية، في وقت تتزايد فيه الضغوط المعيشية بصورة مستمرة.
وفي موازاة ذلك، تحول التضخم إلى السمة الأكثر حضورا في الحياة اليومية. فلم يعد المواطن يقيس الأزمة بالأرقام التي تعلنها المؤسسات الرسمية، بل بما يدفعه عند شراء الغذاء والدواء، أو عند تسديد إيجار منزله، أو حتى عندما يعجز عن شراء جهاز منزلي أصبح ثمنه يعادل أجور عدة أشهر. وفي مثل هذا المناخ، تتراجع حركة الأسواق، وتتسع مساحة الركود، بينما تجد السلع المهربة طريقها إلى السوق مستفيدة من ضعف الإنتاج المحلي واختلال المنافسة.
وفي مواجهة هذه التطورات، تواصل الحكومة التعويل على برامج الدعم النقدي والبطاقات التموينية. غير أن هذا الخيار يثير تساؤلات جوهرية حول مصادر التمويل واستدامته، ولا سيما مع تحذيرات اقتصاديين من أن التوسع في الإنفاق غير المغطى إنتاجيا قد يؤدي إلى زيادة الكتلة النقدية وإطلاق موجات تضخم جديدة، بما يفقد تلك المساعدات جانبا كبيرا من قيمتها الفعلية.
وتزداد الصورة تعقيدا مع استمرار أزمات العملة الأجنبية، وكشف ملفات تتعلق بتعثر استرداد مليارات اليوروهات، إلى جانب حالات تهريب رؤوس الأموال عبر شبكات مالية غير رسمية. وتعكس هذه الوقائع أن الأزمة لم تعد محصورة في نقص الموارد، بل أصبحت مرتبطة أيضا بكفاءة الإدارة الاقتصادية وآليات الرقابة والشفافية.
إن ما يمر به الاقتصاد الإيراني اليوم يمثل تداخلا بين تداعيات الحرب وموروث طويل من الاختلالات البنيوية. فالحرب سرعت الانكشاف، لكنها لم تكن السبب الوحيد للأزمة. لذلك فإن تجاوز المرحلة الراهنة لا يبدو رهنا بإجراءات إسعافية أو بحزم دعم مؤقتة، بل يتطلب معالجة جذرية للأسباب التي أضعفت الاقتصاد على مدى سنوات. وإلى أن يتحقق ذلك، سيظل المواطن الإيراني الطرف الذي يتحمل النصيب الأكبر من كلفة الأزمات، سواء جاءت بفعل الحرب أو بفعل السياسات الاقتصادية التي جعلت المجتمع أقل قدرة على الصمود أمام الصدمات.