صوت العراق – منى سالم الجبوري:
يقع العراق في قلب واحد من أكثر الصراعات الإقليمية تعقيدا، وهو الصراع الأميركي الإيراني الذي لم يعد مجرد خلاف سياسي بين دولتين، بل تحول إلى تنافس استراتيجي يمتد تأثيره إلى معظم دول المنطقة. وفي ظل هذا الواقع، تبدو المصلحة العراقية الحقيقية بعيدة عن الاصطفاف مع أي طرف، وقريبة من ترسيخ استقلال القرار الوطني وحماية السيادة العراقية من أي نفوذ خارجي.
لقد دفعت بغداد خلال العقود الماضية ثمنا باهظا لتحولها إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية. فكلما تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران، انعكس ذلك مباشرة على الأمن العراقي والاقتصاد والاستقرار السياسي، الأمر الذي يجعل من تحييد العراق عن هذا الصراع ضرورة وطنية وليس مجرد خيار سياسي.
ويبرز النفوذ الإيراني بوصفه أحد أكثر التحديات التي تواجه الدولة العراقية في هذا السياق. فامتداد التأثير الإيراني إلى مفاصل سياسية وأمنية واقتصادية متعددة أضعف قدرة المؤسسات العراقية على اتخاذ قراراتها باستقلالية، كما أسهم في تكريس حالة من ازدواجية السلطة، حيث تتداخل أحيانا الولاءات العابرة للحدود مع مقتضيات الانتماء للدولة العراقية. ومهما كانت المبررات التي تساق لهذا النفوذ، فإن استمراره يحد من قدرة العراق على بناء دولة قوية قائمة على سيادة القانون واحتكار المؤسسات الرسمية للسلاح والقرار.
ولا يعني الحديث عن تقليص النفوذ الإيراني الدعوة إلى القطيعة مع إيران، فهي دولة جارة تربطها بالعراق علاقات تاريخية وجغرافية ومصالح اقتصادية يصعب تجاوزها. لكن العلاقات الطبيعية بين الدول تختلف جذريا عن النفوذ الذي يؤثر في القرار الوطني أو يجعل الدولة رهينة لتوازنات خارج حدودها. فالعلاقات المتوازنة تقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وهو المبدأ الذي ينبغي أن يحكم سياسة العراق مع جميع جيرانه.
ومن جهة أخرى، فإن استمرار العراق في دائرة الاستقطاب يجعله عرضة لمزيد من الضغوط الأميركية والإقليمية، ويزيد من احتمالات تحوله إلى ساحة مواجهة كلما تصاعدت الأزمة بين واشنطن وطهران. لذلك فإن المصلحة العراقية تقتضي اعتماد سياسة خارجية متوازنة، تنطلق من مبدأ “العراق أولا”، وتقوم على الانفتاح على الجميع دون السماح لأي طرف بفرض إرادته أو استخدام الأراضي العراقية لتحقيق أهدافه.
إن استعادة السيادة العراقية ليست شعارا سياسيا، بل مشروع دولة يتطلب تعزيز سلطة المؤسسات الدستورية، وحصر السلاح بيد الدولة، ومنع أي جهة داخلية أو خارجية من التأثير في القرار الوطني. كما يتطلب بناء اقتصاد أكثر استقلالا، وتوسيع شبكة العلاقات الدولية بما يخدم مصالح العراق بعيدا عن سياسة المحاور.
وفي النهاية، فإن مستقبل العراق لن يصنعه انتصار هذا الطرف أو ذاك في الصراع الأميركي الإيراني، بل تصنعه قدرة العراقيين على بناء دولة ذات سيادة كاملة، يكون قرارها نابعا من مصالح شعبها وحده. فكلما ابتعد العراق عن النفوذ الخارجي، أيا كان مصدره، اقترب أكثر من الاستقرار والتنمية، واستعاد مكانته الطبيعية دولة مستقلة تمتلك قرارها وتحدد مستقبلها بإرادتها الوطنية.
مريم رجوي الرئيسة الجمهورية لإيران المستقبل








