صورة للعاطلین عن العمل في ایران-
موقع المجلس:
تُظهر الإحصاءات الرسمية الصادرة مؤخراً تراجعاً ملحوظاً في معدلات التوظيف، وتوسيع فجوة عدم المساواة بين الجنسين، فضلاً عن ارتفاع متزايد في أعداد المواطنين الخاملين اقتصادياً، مما يسلط الضوء على الإخفاقات الهيكلية العميقة في اقتصاد إيران وسياسات العمل المتبعة.
وتُقدّم البيانات الرسمية الجديدة صورة قاتمة على نحو متزايد لسوق العمل؛ فعلى الرغم من نمو السكان في سن العمل، فشلت فرص التوظيف في التوسع، في حين تُدفع النساء خارج القوة العاملة بمعدلات متسارعة، بالتزامن مع ارتفاع حاد في الخمول الاقتصادي. إن هذه الأرقام، التي نشرها النظام نفسه، تؤكد حقيقة أوسع نطاقاً: إن سنوات من سوء الإدارة الاقتصادية، والركود الهيكلي، والسياسات التمييزية، جعلت سوق العمل عاجزاً عن استيعاب العمال الجدد، وكانت النساء—على وجه الخصوص—الطرف الأكثر دفعاً للثمن باهظاً.
أزمة الكهرباء والمياه في إيران: انقطاعات صيف 2026 تكشف فشلاً بنيوياً للنظام الإيراني
مع حلول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة في إيران، يواجه ملايين المواطنين واقعاً قاسياً يتجلى في انقطاع الكهرباء وشح المياه. ورغم محاولات المسؤولين الحكوميين التنصل من المسؤولية وعزو الأزمة للظروف الجوية، فإن الواقع يؤكد أنها محصلة مباشرة لعقود من غياب الاستثمارات، وتهالك البنية التحتية، وسوء الإدارة المزمن في بلد يعد من أغنى دول المنطقة بموارد الطاقة.
أزمة معيشية | انقطاع الكهرباء | يونيو 2026
أزمة الكهرباء والمياه في إيران
الفشل في مواكبة النمو السكاني
وفقاً لمركز الإحصاء الإيراني، ارتفع عدد السكان الذين تبلغ أعمارهم 15 عاماً فما فوق من نحو 65.3 مليون نسمة في عام 2024 إلى أكثر من 66.1 میليون نسمة في عام 2025، ما يمثل زيادة تقارب 800 ألف شخص. ومع ذلك، ظل إجمالي عدد الأشخاص العاملين دون تغيير تقريباً عند حوالي 24.8 مليون شخص.
ونتيجة لذلك، انخفض معدل التوظيف في البلاد من 37.9% إلى 37.5% على الرغم من هذا النمو السكاني. إن هذا التراجع يعكس ما هو أكثر من مجرد تقلبات مؤقتة في سوق العمل؛ إنه عَرَض صريح لاقتصاد توقف تماماً عن خلق فرص عمل جديدة.
الركود الاقتصادي يغذي ضعف سوق العمل
يعكس ضعف سوق العمل الأداء الاقتصادي العام لإيران؛ فحسب البيانات الاقتصادية الرسمية، شهدت البلاد نمواً اقتصادياً سلبياً في عام 2025، حيث انكمش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تقارب 0.7% مقارنة بالعام السابق.
وفي ظل اقتصاد راكد، يتراجع الاستثمار التجاري، وتتنحى خطوط الإنتاج، ويصبح أصحاب العمل مترددين تماماً في تعيين موظفين جدد. والنتيجة الحتمية هي سوق عمل مأزوم لم يعد فيه النمو السكاني يترجم إلى خلق وظائف حقيقية.
ارتفاع الخمول الاقتصادي يقنّع الحجم الحقيقي للأزمة
تكشف التقارير الرسمية أن البطالة بحد ذاتها لم تسجل زيادة ملحوظة كأرقام مجردة، حيث يستمر تصنيف نحو مليوني شخص رسمياً كعاطلين عن العمل، غير أن عدد الأفراد الخاملين اقتصادياً ارتفع بنحو 800 ألف شخص خلال الفترة نفسها. وتشمل هذه الفئة المتقاعدين، وذوي الاحتياجات الخاصة، وربات البيوت، والأفراد الذين لا يعملون ولا يبحثون بنشاط عن عمل. ويشير هذا الارتفاع إلى أن الكثير من الإيرانيين باتوا يتخلون تماماً عن البحث عن وظيفة، وهي ظاهرة ترتبط عادة بالضعف الاقتصادي المطول وتراجع الثقة في فرص سوق العمل.
ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن هذه الإحصاءات تم تجميعها من مسوح وطنية أُجريت على مدار العام قبل اندلاع المواجهة العسكرية الأخيرة التي انخرطت فيها إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، وبالتالي فهي لا تتضمن الأثر الاقتصادي المباشر والمدمر لذلك النزاع. وقد أقرت وزارة العمل في نظام الولي الفقيه لاحقاً بأن الحرب أسفرت عن فقدان نحو مليوني وظيفة أخرى، مما يشير إلى أن ظروف سوق العمل الحالية قد تكون أسوأ بكثير مما تشير إليه البيانات السنوية الرسمية.
تراجع حاد ومقلق لمكانة المرأة في سوق العمل
لعل النتيجة الأكثر إثارة للصدمة في البيانات هي اتساع الفجوة بين الجنسين في قطاع التوظيف؛ فلطالما صُنفت مشاركة المرأة في سوق العمل الإيراني ضمن الأدنى في المنطقة، وهو ما يعكس عقوداً من القيود القانونية، والتمييز المؤسسي، والسياسات الحكومية التي تقدم دور المرأة داخل الأسرة على مشاركتها الاقتصادية. وتظهر الأرقام الأخيرة أن هذه الفوارق أصبحت أكثر حدة؛ فبينما يشغل نحو رجلين من بين كل ثلاثة رجال فوق سن الخامسة عشرة وظيفة، فإن امرأة واحدة فقط من بين كل تسع نساء في الفئة العمرية نفسها تملك عملاً.
والأكثر إثارة للقلق هو مسار التغيير الأخير؛ فعلى الرغم من أن عدد السكان في سن العمل من الذكور والإناث قد نما بنحو 400 ألف شخص لكل منهما خلال العام، إلا أن عدد الرجال العاملين ارتفع بنحو 228 ألفاً، في حين انخفض عدد النساء العاملات بالفعل بمقدار 194 ألف امرأة. وبدلاً من المشاركة في النمو المحدود للتوظيف، واجهت النساء خسارة صافية ومباشرة في الوظائف.
السياسات الحكومية تفاقم عدم المساواة
لا يمكن تفسير هذه الفجوة المتسعة بالركود الاقتصادي وحده؛ فخلال السنوات الأخيرة، روج النظام بشكل مكثف لسياسات تشجع على زيادة معدلات المواليد مع التركيز الشديد على المسؤوليات المنزلية للمرأة، وتزامنت هذه السياسات مع تراجع الدعم للمشاركة الاقتصادية للمرأة وتقليص فرصها في سوق العمل الرسمي.
ما بعد جحيم التضخم: خيار الشارع الإيراني يتحول من الإصلاح إلى الإطاحة الجذرية بالنظام الكهنوتي
تتسارع وتيرة التفكك داخل المؤسسة الحاكمة في طهران تحت وطأة أزمات مركبة ومتلاحقة، مما يدفع البلاد نحو انتفاضة شعبية حاسمة. ومع عجز مؤسسات الدولة عن توفير أدنى مقومات الحياة البديهية والفشل الاقتصادي الكارثي، تحول مستهدف الجمهور الإيراني من تغيير السلوك السياسي أو المطالبة بالإصلاح إلى التنظيم الفاعل والمباشر لإسقاط النظام بالكامل.
انتفاضة شعبية | الأزمة الاقتصادية | يونيو 2026
الاحتجاجات والأزمة الاقتصادية في إيران
كما ألحق قطع الإنترنت المتكرر الذي فرضه النظام خلال فترات الاحتجاجات الشعبية والنزاعات العسكرية أضراراً جسيمة بالنساء بشكل غير متناسب؛ إذ تعتمد العديد من رائدات الأعمال وصاحبات المشاريع الصغيرة على المنصات الإلكترونية مثل (إنستغرام) لإدارة أعمالهن من المنازل، وقد أدى تقييد الإنترنت إلى شل هذه المشاريع، مما قضى على مصدر دخل حيوي لآلاف النساء اللواتي يواجهن بالفعل حواجز هائلة لدخول سوق العمل التقليدي.
الشابات يواجهن تحديات مضاعفة
تبدو مظاهر عدم المساواة صارخة بشكل خاص بين الأجيال الشابة؛ وتكشف الإحصاءات الرسمية أن معدل البطالة بين النساء دون سن 35 عاماً يبلغ نحو 26%، وهو ما يتجاوز ضعف معدل البطالة المسجل بين الرجال في الفئة العمرية نفسها البالغ 12%.
وتتضح الفجوة ذاتها بين الشباب الذين لا يدرسون ولا يعملون؛ إذ تقع ما يقرب من ثلث النساء الإيرانيات اللواتي تتراوح أعمارهن بين 15 و24 عاماً ضمن هذه الفئة، مقارنة بنسبة 15% فقط من الرجال في العمر نفسه، مما يؤشر على وجود عوائق هيكلية طويلة الأمد تمنع الشابات من المشاركة الكاملة في التعليم أو التوظيف أو التدريب المهني.
الأزمة البنيوية:
تكشف إحصاءات العمل الأخيرة عن نمط مألوف ومتكرر؛ فتماماً كما حدث خلال الأزمات السابقة مثل جائحة كوفيد-19، تحملت النساء حصة غير متناسبة من التكاليف الاقتصادية الناجمة عن أزمات إيران المتعاقبة. وخلف الأرقام الرسمية يكمن فشل هيكلي أوسع؛ حيث تضافر الركود الاقتصادي، والسياسات الاجتماعية التقييدية، والرقابة على الإنترنت، والاضطراب السياسي لخلق سوق عمل لا يعجز عن خلق الوظائف فحسب، بل يقصي النساء بشكل ممنهج من الحياة الاقتصادية. إن هذه التحديات لم تعد مجرد تراجعات دورية، بل هي عوارض واضحة لفشل نظام الحكم، وبدون تغييرات سياسية واقتصادية جذرية تضمن الحريات الفردية وتزيل التمييز المؤسسي، فإن العبء الأكبر للأزمات القادمة سيستمر في السقوط على الفئات الأكثر تهميشاً، وفي مقدمتهم النساء الإيرانيات.








