مريم رجوي الرئيسة الجمهورية لإيران المستقبل

مريم رجوي

اجتماع إيران حرة 2023: إلى الأمام نحو جمهورية ديمقراطية

المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية

ماتثير الإعجاب بشأن مجاهدي خلق

أحدث الاخبارأحدث الاخبار: اخبار المقاومة الايرانيةماذا وراء إلغاء تظاهرة 20 يونيو في باريس؟

ماذا وراء إلغاء تظاهرة 20 يونيو في باريس؟

تظاهرة 20 يونيو في باريس-
بحزاني – منى سالم الجبوري:
لم يكن إلغاء تظاهرة 20 يونيو في باريس قرارا عاديا يمكن المرور عليه مرور الكرام، أو إدراجه في خانة الإجراءات التنظيمية والأمنية المألوفة، بل بدا ــ بكل ما أحاط به من توقيت ملتبس وملابسات مثيرة للريبة ــ قرارا سياسيا بامتياز، يكشف أكثر مما يخفي، ويطرح أسئلة محرجة عن الخلفيات الحقيقية التي وقفت وراءه، ولا سيما أنه استهدف تظاهرة كانت تحمل في جوهرها صوت الإيرانيين الرافضين للدكتاتورية الدينية، ورسالة واضحة إلى العالم بأن هذا النظام لم يعد يواجه مجرد اعتراض سياسي، بل يواجه شعبا يتطلع إلى إسقاطه، ومقاومة منظمة تعمل بثبات من أجل هذا الهدف.
إن التظاهرة التي كان من المفترض أن تقام في باريس لم تكن مجرد تجمع اعتراضي عابر، بل كانت تمثل حدثا سياسيا وإعلاميا ذا دلالة خاصة، لأنها تأتي في مرحلة هي الأخطر والأكثر حساسية في تاريخ النظام الإيراني، حيث تتزاحم عليه الأزمات من كل صوب: أزمة شرعية داخلية متفاقمة، اقتصاد منهك، مجتمع يغلي تحت وطأة القمع والإفقار، صراع أجنحة يتسع داخل بنية الحكم، وعزلة خارجية لم تعد قابلة للترميم بسهولة. وفي خضم هذا المشهد، كان من الطبيعي أن ينظر النظام الإيراني بعين القلق إلى أي حشد جماهيري كبير للمعارضة في قلب أوروبا، وبالأخص في باريس، المدينة التي ارتبط اسمها سياسيا وتاريخيا بكثير من محطات المعارضة الإيرانية.
ومن هنا، فإن قرار الإلغاء لا يمكن النظر إليه بوصفه مجرد احتياط أمني، لأن الذريعة الأمنية، مهما جرى تكرارها، تبدو واهية أمام حقيقة أن التظاهرات والفعاليات السياسية الكبرى ليست أمرا جديدا على باريس ولا على أوروبا عموما، وأن المعارضة الإيرانية نظمت خلال العقود الماضية مناسبات جماهيرية عديدة من دون أن يكون المنع هو الجواب. أما أن يصدر القرار في توقيت متأخر، بعد أن كانت الاستعدادات قد اكتملت، وبعد أن توافد آلاف المشاركين من بلدان مختلفة، فذلك لا يعكس حرصا أمنيا بقدر ما يعكس ارتباكا سياسيا أو استجابة لضغوط مورست في الكواليس، وربما لتفاهمات غير معلنة اقتضت إسكات هذا الصوت في اللحظة التي كان يفترض أن يرتفع فيها.

إن أخطر ما في هذا القرار أنه يشي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بأن النظام الإيراني ما زال قادرا على مد ظله خارج حدوده، ليس فقط عبر شبكاته الاستخبارية وأذرعه المعروفة، بل أيضا عبر استثمار الحسابات الغربية المعقدة، ومخاوف بعض الحكومات من التصعيد أو الإحراج أو تعطيل قنوات التواصل مع طهران. فكلما دخلت العلاقة مع النظام الإيراني مرحلة حساسة، وكلما ازدادت حاجة بعض العواصم الغربية إلى إبقاء خطوط التفاوض مفتوحة معه، ظهرت فجأة تلك اللغة الفضفاضة عن “الاعتبارات الأمنية” و”الحفاظ على النظام العام”، وهي لغة كثيرا ما تُستخدم لتبرير قرارات تصب عمليا في مصلحة الجلاد على حساب الضحية.
وليس من الصعب فهم سبب انزعاج النظام الإيراني من تظاهرة كهذه. فهو يعرف جيدا أن المشكلة لم تعد في مجرد وجود معارضة في الخارج، بل في وجود معارضة تمتلك خطابا سياسيا واضحا، وشبكة حضور دولي، وقاعدة من الأنصار، وقبل ذلك كله مشروعا بديلا يفضح ادعاء النظام بأنه لا بديل له. ولهذا، فإن أي فعالية جماهيرية واسعة للمقاومة الإيرانية، ولا سيما إذا أقيمت في عاصمة أوروبية كبرى، تتحول إلى صفعة سياسية ومعنوية للنظام، لأنها تفضح هشاشته، وتؤكد أن صراعه لم يعد مع أفراد متناثرين أو أصوات معزولة، بل مع تيار منظم يرى في إسقاط ولاية الفقيه شرطا لإنقاذ إيران والمنطقة معا.
ومن هنا تحديدا، يصبح إلغاء التظاهرة خدمة سياسية مجانية للنظام، سواء تم ذلك بقصد أو من دون قصد. فالنظام الذي فشل في إسكات المعارضة داخل إيران عبر الإعدامات والسجون والتعذيب، والذي عجز عن منعها من فضح جرائمه على الساحة الدولية، وجد نفسه فجأة أمام قرار يحقق له ما عجز عن تحقيقه بنفسه: إلغاء منصة كان يمكن أن تتحول إلى إدانة علنية واسعة له، وإلى مناسبة لتجديد التضامن الدولي مع نضال الشعب الإيراني ومقاومته. وبكلمة أخرى، فإن ما لم تستطع أجهزة القمع الإيرانية إنجازه بالقوة، أنجزته حسابات سياسية ملتبسة تحت عنوان “المنع الوقائي”.
إن المستفيد الأول من هذا الإلغاء ليس سوى النظام الإيراني، وهذه حقيقة لا تحتاج إلى كثير من الجدل. فحين يمنع الإيرانيون من رفع صوتهم في باريس ضد الإعدامات والقمع والدكتاتورية، فإن الرسالة التي تصل إلى طهران هي أن الضغوط التي يمارسها النظام، بصورة مباشرة أو عبر التلويح بالفوضى والتهديدات، يمكن أن تؤتي ثمارها. أما الرسالة التي تصل إلى الشعب الإيراني فهي أشد مرارة: حتى حين يبحث عن منبر حر في الخارج، فإن حسابات السياسة قد تتقدم مرة أخرى على مبادئ الحرية وحقوق الإنسان.
وهنا تكمن الفضيحة الأخلاقية والسياسية في آن واحد. فالغرب الذي لا يتوقف عن الحديث عن الديمقراطية وحرية التعبير وحق الشعوب في مقاومة الاستبداد، يجد نفسه في لحظة الاختبار الحقيقية مترددا، مرتبكا، بل وقابلا ــ تحت ذرائع شتى ــ لاتخاذ خطوات تصب في مصلحة أحد أكثر الأنظمة قمعا وعداء لتلك القيم. وما يزيد الأمر سوءا أن هذا التردد لا يعبر فقط عن ازدواجية المعايير، بل يبعث برسالة خطيرة إلى الأنظمة الاستبدادية مفادها أن الضغط والابتزاز والمساومة يمكن أن تؤدي في نهاية المطاف إلى خنق أصوات المعارضين حتى في عواصم الحرية نفسها.
ثم إن القضية هنا لا تتعلق بتظاهرة واحدة ألغيت، بل بما هو أعمق من ذلك بكثير. إنها تتعلق بالصراع بين من يريد لإيران أن تبقى رهينة لنظام ديني قمعي قائم على القتل والتصدير المنهجي للأزمات، وبين من يريدها بلدا حرا سيدا يعيش في ظل دولة ديمقراطية تفصل الدين عن السلطة وتحترم الإنسان. ولذلك فإن أي إجراء من شأنه أن يضيق على المعارضة الحقيقية، أو أن يحد من قدرتها على إيصال صوتها، لا يمكن اعتباره خطوة محايدة، لأنه يحدث موضوعيا اختلالا في ميزان الصراع لمصلحة النظام.
لقد كان المنتظر من دولة مثل فرنسا، التي طالما قدمت نفسها باعتبارها حاضنة لقيم الحرية والحق في التعبير، أن تؤمن التظاهرة وتحميها، لا أن تلغيها. وكان الأجدر بها أن تدرك أن حماية حق الإيرانيين في التظاهر ضد الاستبداد لا تقل أهمية عن أي اعتبار آخر، بل هي جزء من صون القيم التي تدعي الدفاع عنها. أما أن يترك الأمر لذرائع فضفاضة وقرارات متأخرة ومربكة، فذلك لا يزيد المشهد إلا غموضا، ولا يمنع إلا من طرح السؤال الأوضح والأكثر إلحاحا: من الذي أراد فعلا إسكات تظاهرة 20 يونيو؟ ولمصلحة من جرى ذلك؟
إن ما حدث في باريس يجب ألا ينظر إليه بوصفه مجرد واقعة عابرة، بل بوصفه مؤشرا خطيرا على طبيعة الاشتباك الدائر حول الملف الإيراني، وعلى حجم ما يبذله النظام من جهود لكي يضيق الخناق على خصومه حتى خارج حدوده. كما يكشف، في المقابل، أن معركة الشعب الإيراني من أجل الحرية ليست فقط معركة ضد الاستبداد في الداخل، بل هي أيضا معركة ضد الصفقات الرمادية والتسويات الملتبسة والحسابات الباردة التي قد تجد في إسكات صوت الضحية ثمنا مقبولا لتجنب إزعاج الجلاد.
وفي المحصلة، فإن إلغاء تظاهرة 20 يونيو في باريس لا يطرح سؤالا عن سبب المنع فحسب، بل يطرح سؤالا أكبر وأخطر: إلى أي حد يمكن للمصالح السياسية أن تدفع بعض الديمقراطيات الغربية إلى التضحية بمبادئها عندما يتعلق الأمر بالنظام الإيراني؟ وما جرى، مهما حاول البعض تغليفه بالتبريرات، يبقى علامة استفهام كبيرة، بل وصمة سياسية وأخلاقية، لأن نتيجته النهائية كانت واضحة: إسكات صوت المحتجين، ومنح النظام الإيراني فسحة تنفس هو بأمس الحاجة إليها في واحدة من أصعب مراحله.