صورة للاحتجاجات الشعبیة في ایران-
صوت العراق – منى سالم الجبوري:
لم تخرج إيران من أتون الحرب كما دخلتها. فالحرب، مهما حاولت السلطة تقديمها بوصفها محطة صمود وانتصار، تركت وراءها بلدا مثقلا بالخسائر، واقتصادا أكثر إنهاكا، ومجتمعا أشد احتقانا، ونظاما يواجه استحقاقات ما بعد الحرب بقدر غير مسبوق من القلق والتوجس. وإذا كانت القيادة الإيرانية قد نجحت، مرحليا، في تجاوز أخطار المواجهة العسكرية المباشرة، فإنها تقف اليوم أمام تحد أكبر وأكثر تعقيدا: كيف يمكنها أن تحافظ على تماسك الداخل وتمنع انفجار أزماته المتراكمة في مرحلة ما بعد الحرب؟
لقد كشفت الحرب، بصورة لا تقبل الالتباس، أن مشكلة النظام الإيراني لا تكمن فقط في خصوماته الخارجية أو في صراعاته الإقليمية، بل في هشاشته الداخلية التي ظلت تتفاقم عاما بعد آخر تحت وطأة الاستبداد، وسوء الإدارة، والفساد، وتبديد الموارد في مشاريع التوسع والنفوذ. فالحرب لم تخلق الأزمات من العدم، وإنما جاءت لتضاعف ما كان قائما أصلا من اختلالات بنيوية في الاقتصاد والمجتمع والسياسة، ولتضع النظام أمام لحظة اختبار حقيقية لا يمكن الهروب منها بالشعارات التعبوية أو الخطابات الأيديولوجية.
إن التحدي الأكبر الذي يواجه إيران بعد الحرب يتمثل أولا في الأزمة الاقتصادية الخانقة. فالاقتصاد الإيراني كان قبل الحرب يعاني أصلا من التضخم الجامح، وتراجع قيمة العملة الوطنية، واتساع رقعة البطالة والفقر، فضلا عن وطأة العقوبات والعزلة. أما بعد الحرب، فقد ازدادت الكلفة باهظة، سواء من جهة الأضرار التي طالت البنية التحتية والقطاعات الحيوية، أو من جهة الاضطراب الذي أصاب الأسواق وسلاسل الإمداد والاستثمار والإنتاج. ومعنى ذلك أن السلطة ستكون مضطرة إلى مواجهة مجتمع منهك، لم يعد يحتمل المزيد من الوعود الفارغة أو سياسات الترقيع المؤقت.
ولا يقتصر الأمر على الجانب الاقتصادي وحده، بل إن الأزمة الاجتماعية تبدو أكثر خطورة، لأنها ترتبط مباشرة بحياة الناس اليومية وبقدرتهم على الصبر والتحمل. فالمواطن الإيراني الذي أثقلته سنوات القمع والفاقة والعزلة، لم يعد ينظر إلى ما يجري من زاوية الشعارات الكبرى التي يرفعها النظام، بقدر ما ينظر إليه من زاوية الخبز، والكهرباء، والدواء، وفرص العمل، وكرامة العيش. ومن هنا، فإن أي فشل في احتواء التداعيات المعيشية لما بعد الحرب، سيعني عمليا فتح الباب أمام موجات جديدة من الغضب الشعبي، قد تكون أوسع وأكثر حدة من سابقاتها، ولاسيما أن أسباب الاحتجاج لم تعالج أصلا، بل ازدادت تعقيدا وتراكما.
أما على الصعيد السياسي، فإن الحرب وضعت النظام أمام مأزق الشرعية من جديد. فالنظام الذي سعى إلى توظيف الحرب من أجل شد العصب الداخلي وتقديم نفسه بوصفه حامياً للبلاد، يواجه في المقابل سؤالا بالغ الإحراج: ماذا بعد توقف المدافع؟ فزمن الحرب يتيح للسلطات، عادة، تأجيل الأسئلة الصعبة وإسكات الأصوات المعترضة بذريعة الخطر الخارجي، لكن ما بعد الحرب يعيد كل تلك الأسئلة إلى الواجهة بقوة أكبر: أين ذهبت ثروات البلاد؟ لماذا تدفع إيران دائما نحو حافة الانفجار؟ لماذا يبقى الشعب هو من يدفع الثمن في كل مرة؟ وكيف يمكن لنظام يدعي تمثيل الأمة أن يواصل حكمها بالقمع والخوف والتجويع؟
ومن هنا، فإن النظام الإيراني سيكون أمام معادلة شديدة الصعوبة: فهو من جهة يريد الظهور بمظهر المنتصر الصامد الذي خرج من الحرب ثابتا، لكنه من جهة أخرى يعرف أن أي انفتاح داخلي أو تخفيف للقبضة الأمنية قد يطلق ديناميات احتجاجية لا يستطيع السيطرة عليها، كما أن استمرار القبضة الحديدية نفسها سيؤدي إلى مزيد من الاحتقان والانفجار. وهذه هي المفارقة الأساسية التي تجعل من مرحلة ما بعد الحرب أخطر على النظام من الحرب نفسها؛ لأن المعركة هنا لم تعد مع خصم خارجي، بل مع واقع داخلي مأزوم، ومع شعب بات أكثر وعيا بكلفة هذا النهج وأكثر رفضا لاستمراره.
ولعل ما يزيد من خطورة المشهد أن أجنحة السلطة نفسها ليست على قلب رجل واحد في كيفية إدارة هذه المرحلة. فثمة من سيدفع نحو مزيد من التشدد والانغلاق، بحجة أن الحرب أثبتت ضرورة القبضة الأمنية والتمسك بخيار المواجهة، وثمة من سيدعو إلى قدر من المرونة والانفتاح لتخفيف الضغوط الداخلية والخارجية. لكن المشكلة أن أيا من هذين الخيارين لا يبدو قادرا، بمفرده، على حل الأزمة؛ لأن أصل المعضلة أعمق من مجرد اختلاف في أساليب الإدارة، ويتعلق بطبيعة النظام ذاته، وبالبنية التي قام عليها، وبفشله المزمن في بناء دولة طبيعية تكون فيها مصلحة الشعب فوق مصالح العقيدة والهيمنة والنفوذ.
إن إيران بعد الحرب ليست أمام تحدي إعادة إعمار ما تهدم فحسب، بل أمام تحدي إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع. وهذه هي العقدة التي يخشاها النظام أكثر من غيرها؛ لأن أي حديث جدي عن معالجة الأزمات يقتضي، بالضرورة، مراجعة الأولويات، وتغيير النهج، والكف عن تصدير الأزمات إلى الخارج، والتوقف عن التعامل مع الداخل بمنطق الاشتباه والقمع. غير أن التجربة الطويلة لهذا النظام لا توحي بأنه قادر على الإقدام على مثل هذه المراجعة، بل إنه غالبا ما يهرب إلى الأمام، ويبحث عن معارك جديدة لتأجيل انفجار أزماته الداخلية.
وعليه، فإن التحدي الأكبر أمام إيران بعد الحرب لا يتمثل في ترميم ما دمرته المواجهات العسكرية فقط، وإنما في كيفية التعامل مع استحقاقات الداخل الإيراني الذي ضاق ذرعا بالحروب والأزمات والشعارات. فإما أن يواصل النظام النهج نفسه، وعندها سيكون ما بعد الحرب مجرد هدنة قصيرة تسبق انفجارا أكبر، وإما أن يواجه الحقيقة المرة: أن بقاء الدولة واستقرار المجتمع لا يمكن أن يتحققا بالقوة وحدها، ولا بالمناورات السياسية، ولا بتغليف الهزائم والاختناقات بخطاب النصر والصمود، بل بالاستجابة لإرادة الشعب، ووضع حد لسياسات أوصلت إيران إلى هذا المنعطف الخطير.
إن الحرب قد تتوقف بقرار سياسي أو بتفاهم إقليمي أو دولي، لكن أزمة النظام الإيراني مع شعبه لا يمكن أن تتوقف بالأسلوب نفسه. وهذه، في جوهرها، هي المعضلة الأكبر، والتحدي الأعظم، والامتحان الحقيقي لإيران ما بعد الحرب.








