جريدة الأمة الإلكترونية – د. سامي خاطر.. أكاديمي وأستاذ جامعي:
تشهد الساحة الدولية تحولات متسارعة في التعاطي مع الملف الإيراني.. تحولاتٌ لم تعد تقتصر على المسارات الدبلوماسية الرسمية أو العقوبات الاقتصادية بل امتدت لتشمل الحراك الميداني للمقاومة الإيرانية في عواصم القرار العالمي؛ وفي هذا السياق جاءت التظاهرة الحاشدة التي نظمها أنصار مجاهدي خلق أمام مبنى الكونغرس في العاصمة الأمريكية واشنطن بمثابة حدث سياسي تجاوز في أبعاده الأسلوب الاحتجاجي التقليدي ليتحول إلى مادة تحليلية حظيت باهتمام واسع من كبريات وسائل الإعلام العالمية مثل فوكس نيوز، وفوربس، ووكالة الصحافة الفرنسية ورويترز، وإن تفكيك هذا الحدث يتطلب قراءة موضوعية وعميقة تتجاوز البعد الخبري لتركز على دلالاته السياسية، وتأثيراته الجيوسياسية ومحددات التوازن بين الداخل والخارج.
التغطية الإعلامية الدولية.. من الهامش إلى متن التحليل الاستراتيجي
لم يعد الحراك الاحتجاجي الإيراني في الخارج يُصنف ضمن الأخبار الهامشية؛ إذ يعكس حجم التركيز الإعلامي الدولي الأخير تحولاً في النظرة الغربية لطبيعة الأزمة الإيرانية.. فعندما تُبرز شبكات إعلامية وازنة مثل فوكس نيوز وفوربس مطالبات آلاف الإيرانيين بوقف الإعدامات وتغيير النظام فإنها تسلط الضوء على عمق الأزمة الهيكلية التي تواجهها طهران؛ هذا الاهتمام يربط بوضوح بين السياسات الداخلية لنظام الولي الفقيه المتمثلة في التضييق الأمني وبين الكلفة الجيوسياسية لدوره الإقليمي والتخريبي في زعزعة استقرار المنطقة الأمر الذي ينقل ملف المقاومة الإيرانية ليفرضها كبديل سياسي ديمقراطي قادر ومؤهل على تمثيل جميع مكونات الشعب الإيراني.. ومؤهل للانتقال السياسي المثالي في إيران وإنهاء عصر حقبتين من الاستبداد والدكتاتورية على يد البهلوية والملالي.
الآليات السياسية الغربية.. ملامح ودلالات الحضور النخبوي في واشنطن
تكتسب تظاهرة واشنطن زخماً استراتيجياً من خلال نوعية المشاركة السياسية الأمريكية والدولية التي أحاطت بها.. وإن اعتلاء شخصيات بمستوى الجنرال ويسلي كلارك القائد السابق لقوات الناتو، والنائب السابق باتريك كينيدي والسفيرة السابقة كارلا ساندز لمنصة الخطابة أمام الكونغرس أمراً يحمل دلالات سياسية بالغة الأهمية.. هذا التأييد من نخب سياسية وعسكرية سابقة وحالية لبرنامج السيدة مريم رجوي يعكس رغبة جزء من صانعي القرار في الغرب لاستكشاف خيارات بديلة للملف الإيراني، ومع ذلك فإن هذا الدعم الغربي يظل محكوماً بحسابات البراغماتية الدولية غير الشفافة؛ حيث تبحث العواصم الكبرى دائماً عن مدى قدرة هذا الحراك على إحداث تغيير حقيقي وملموس على الأرض كما يستعرضون بالقول دائما علما بأنهم جميعا يعلمون علم اليقين بمدى وحجم قدرات المقاومة الإيرانية وتاريخها.
ديناميكية الداخل والخارج.. معضلة التغيير العسكري والذاتي
من أبرز النقاط التي ركزت عليها التقارير التحليلية لا سيما تقرير وكالة رويترز هي صياغة مفهوم “التغيير من الداخل”.. فالأطروحة التي قدمتها المقاومة، وأكدت عليها شخصيات أمريكية مثل كارلا ساندز تشدد على أن إسقاط النظام لن يتم عبر تدخلات عسكرية أجنبية.. التدخلات التي أثبتت التجارب الإقليمية السابقة كلفتها الباهظة وفشلها على أرض الواقع بل يجب أن ينبع من إرادة الشعب الإيراني.. وهنا تبرز تصريحات ممثلة المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية في أمريكا سونا صمصامي التي أشارت إلى إرث التضحيات المتمثل في أكثر من 120 ألف شهيد كركيزة أساسية لبناء شبكة مقاومة داخلية منظمة.. التحدي الاستراتيجي هنا يكمن في مدى قدرة هذه الشبكات الداخلية على تحويل الزخم السياسي الخارجي إلى أدوات ضغط حقيقية قادرة على هدم المعبد على رؤوس الملالي في الداخل.
أطروحة الحكومة المؤقتة وفرص الاستقرار الإقليمي
تطرح التظاهرة مجدداً السيناريو المقترح للمرحلة الانتقالية عبر تشكيل حكومة مؤقتة تضمن الانتقال السلمي نحو جمهورية ديمقراطية متعايشة سلمياً في داخلها ومع محيطها، ويمثل هذا الطرح محاولة لتبديد مخاوف المجتمع الدولي والدول المجاورة من سيناريوهات الفراغ الأمني في إيران.
إن تقديم نموذج لدولة إيرانية مستقبلية تتخلى عن الطموحات النووية العسكرية والتمدد الإقليمي يعزز من جاذبية مشروع المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية لدى الأطراف الدولية؛ لكن نجاح هذا التصور يعتمد بالدرجة الأولى على رفع القيود الغربية المفروضة على المقاومة من خلال الاعتراف بحقها وكافة فصائلها في مواجهة النظام بشتى الوسائل الممكنة لإسقاطه وتحقيق مطالب الشعب.. كذلك الاعتراف بالمقاومة كبديل وممثل للشعب في المرحلة الانتقالية على طريق التغيير في إيران.
خلاصة واستشراف
تؤكد المعطيات المستخلصة من حراك واشنطن وتغطيته العالمية أن ملف المقاومة الإيرانية قد تجاوز مراحل إثبات الوجود إلى مرحلة تقديم النفس كبديل جاهز ومُنظم وقادر على تحقيق التغيير والانتقال من عصور الاستبداد إلى عصر الديمقراطية.
إن الترابط بين تزايد الضغوط الإعلامية والدولية وبين تنامي نشاط الشبكات الميدانية في الداخل يضع النظام الإيراني أمام خيارات ضيقة، ومع ذلك فإن المشهد الراهن يظل رهناً بالتوازنات الدولية المعقدة؛ إذ أن التحول من دعم الخطاب الديمقراطي للمعارضة إلى تبنيه كخيار سياسي نهائي سيتوقف على مدى قدرة القوى الوطنية الإيرانية على فرض واقع جديد على الأرض يثبت للمجتمع الدولي أن التغيير القادم هو صمام الأمان الحقيقي لاستقرار الشرق الأوسط والعالم.. هذا إن أراد الغرب قيام نظام سياسي ديمقراطي في إيران.








