اشتباکات بالایدي داخل البرلمان الایراني-
جريدة الأمة الإلكترونية- د. سامي خاطر.. أكاديمي وأستاذ جامعي :
جدلية الأمن القومي والانهيار الاجتماعي في ظل الصراعات الكبرى
قراءة في الفقه البنيوي السياسي لدى ” نظام الملالي”
تتجذر السياسة العليا بجمهورية الملالي في إيران حول مبدأ محوري صاغه مؤسس النظام؛ وهو أن “حفظ النظام أوجب الواجبات”، وهي قاعدة فقهية وسياسية تتقدم في سلم الأولويات على المصالح الاقتصادية والرفاه الاجتماعي.. هذا المبدأ ليس مجرد شعار بل هو العقيدة الاستراتيجية التي تحكم سلوك الدولة الإيرانية في مواجهة التحديات المزدوجة.. التهديدات الخارجية والاضطرابات الداخلية، وفي ظل التصعيد العسكري الإقليمي الأخير انتقلت طهران من حالة “الصبر الاستراتيجي” إلى الانخراط المباشر مما فرض تحولاً جذرياً في إدارة الملف الداخلي؛ حيث يتم تسخير كافة الموارد والأدوات لضمان الاستقرار الأمني؛ حتى وإن كان الثمن هو الانكماش الاقتصادي الحاد وتعميق الفجوة بين السلطة والشارع.
الرقمنة كساحة معركة.. السيطرة المعلوماتية وكلفة التعطيل
يمثل الإغلاق الشامل للإنترنت وتقييد الفضاء السيبراني أحد أبرز تجليات تغليب الهواجس الأمنية على الضرورات المعيشية، وبالنسبة لصانع القرار في طهران لا يُنظر إلى الشبكة الدولية كأداة للتنمية بل كـ “طابور خامس” ومساحة لتنظيم الاحتجاجات وشن الحروب الناعمة، ومع ذلك فإن هذا المنظور الأمني يصطدم بحقيقة أن الإنترنت بات العصب الحيوي للاقتصاد الموازي والقطاع الخاص الناشئ.
إن سياسة “الحجر الرقمي” أدت إلى إصابة الدورة الاقتصادية بـ شلل جزئي.. حيث تؤكد التقارير بما فيها ما نشرته صحيفة “جهان صنعت” أن ما يقرب من 15 مليون إيراني باتوا مهددين في أرزاقهم المرتبطة بالمنصات الرقمية مما يحول الأزمة التقنية إلى أزمة وجودية لطبقة واسعة من المجتمع.
التداعيات الهيكلية.. الانهيار المعيشي وتآكل الطبقة الوسطى
تتجاوز الآثار الاقتصادية للسياسات الحالية مجرد تراجع الأرقام؛ إذ تعيش إيران حالة من التضخم الجامح الذي يتغذى على العقوبات الدولية من جهة، وسوء الإدارة البنيوية من جهة أخرى.
إن انهيار المبيعات في القطاعات الخدمية بنسبة تصل إلى 70 % وفقاً لتقديرات محلية.. يعني عملياً تآكل ما تبقى من الطبقة الوسطى التي هي الطبقة التي تمثل عادةً صمام الأمان للاستقرار الاجتماعي، وفي ظل هذا المشهد تبدو الحكومة التي يرأسها مسعود بزشكيان محاصرة بين إرث ثقيل من الديون والعجز المالي، وبين وعود انتخابية بالانفتاح والتعافي الاقتصادي؛ وعود تصطدم بجدار الواقع السياسي والقيود الأمنية الصارمة مما يجعل قدرة الدولة على تقديم “شبكة أمان” فاعلة أمراً مشكوكاً فيه لدى المراقبين.
استراتيجية “إدارة الأزمات بالأزمات”
ينتهج النظام الإيراني منذ قيامه تكتيكاً يقوم على تحويل التهديدات الخارجية إلى فرص لتعزيز الجبهة الداخلية عبر منطق “حالة الطوارئ الدائمة”.. فالحرب أو التلويح بها تُستخدم كغطاء لتبرير إجراءات استثنائية وقمع أي صوت معارض تحت ذريعة “الأمن القومي”.. هذا السلوك السياسي يعكس إدراكاً عميقاً بأن أي انفتاح سياسي أو تقني في لحظة الأزمة قد يتحول إلى ثغرة يصعب السيطرة عليها.. لذا يتم توظيف “صناعة الأزمة” كأداة لإعادة ضبط المجتمع وإشغاله في تأمين الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية مما يقلل من قدرة الكتل الشعبية على التسييس أو المطالبة بإصلاحات هيكلية.
آفاق الانفجار الاجتماعي ومحدودية أدوات الضبط
رغم نجاح أدوات الدولة في احتواء الموجات الاحتجاجية السابقة عبر القوة الصلبة والتحكم في التدفق المعلوماتي.. إلا أن الاستمرار في هذه المعادلة الصفرية يواجه اختباراً غير مسبوق.
إن تراكم الإحباط الاقتصادي المقترن بفقدان الأمل في الإصلاح التدريجي يخلق حالة من “الاحتقان الصامت” الذي قد يتجاوز في لحظة ما قدرة الأجهزة الأمنية على الاستيعاب، وإن الرهان على بقاء النظام عبر إضعاف المجتمع اقتصادياً هو رهان ذو حدين؛ فالمجتمع الذي لم يعد لديه ما يخسره يصبح أقل استجابة لأدوات الردع التقليدية.
مفترق طرق استراتيجي
تجد إيران نفسها اليوم أمام معضلة بنيوية.. فإما الاستمرار في نهج “الأمن أولاً” والذي يضمن بقاء السلطة على المدى القريب لكنه يقوض ركائز الاستقرار الاجتماعي والشرعية الاقتصادية أو الذهاب نحو انفتاح حذر يتطلب تنازلات قد يراها المحافظون تهديداً لما يدعون أنه قيم ثورية.. وفي ظل غياب حلول جذرية لمشاكل التضخم والعزلة الدولية يبقى المواطن الإيراني هو الطرف الذي يتحمل الكلفة الباهظة لهذا التجاذب؛ بينما تظل قدرة النظام على الموازنة بين “الحرب في الخارج” و”القمع في الداخل” هي الرهان الأكبر الذي سيحدد مستقبل البلاد في العقد القادم.








