الخمیني و رضا بهلوي المقبورین-
لیفانت نیوز- عبدالرزاق الزرزور:
في الوقت الذي تشتد فيه أزمات نظام الملالي البنيوية وتتصاعد وتيرة الاحتجاجات الشعبية التي ترفض الاستبداد الديني، تبرز على الساحة السياسية محاولات لإعادة تدوير الماضي وتغليفه بشعارات زائفة حول “الديمقراطية”. يمثل خطاب رضا بهلوي، نجل الشاه المخلوع، محاولة بائسة للقفز على التناقضات التاريخية والسياسية التي أنتجت الواقع الإيراني الحالي، في محاولة للاستحواذ على تطلعات الشعب الإيراني نحو الحرية.
إرث القمع كحجر زاوية للشرعية
تضع إليزابيتا زامباروتي، البرلمانية الإيطالية السابقة وعضوة المجلس التنفيذي للحزب الراديكالي، النقاط على الحروف حين تؤكد أن “ابن الشاه” يرفض بصلابة النأي بنفسه عن إرث عائلته المظلم، المليء بالتعذيب والانتهاكات المنهجية لحقوق الإنسان. إن التناقض الصارخ الذي تشير إليه زامباروتي يتمثل في تقديم “بهلوي” لنفسه كبديل ديمقراطي، بينما يصرّ في الوقت ذاته على تمجيد حقبة كانت ولا تزال تمثل رمزاً للاستبداد في الذاكرة الجمعية للإيرانيين.
إن بناء ديمقراطية حقيقية في إيران يتطلب قطيعة معرفية وسياسية مع كافة أشكال الاستبداد. ولا يمكن للمرء أن يدعي تبني قيم التحرر وهو يدافع عن ممارسات قمعية لا تختلف في جوهرها عن ممارسات النظام الحالي، مما يجعل من طروحات “بهلوي” مجرد محاولة لإعادة إنتاج هيكل السلطة الفردية تحت مسميات براقة.
مغازلة المنظومة الأمنية: خطورة الرهان على “الحرس”
تكمن الخطورة الاستراتيجية في تصريحات رضا بهلوي الأخيرة، والتي كشفت عن نيته – حال وصوله للسلطة – الاعتماد على أجزاء من المنظومة الأمنية الحالية؛ في أن دعوته للتعويل على حرس النظام الإيراني – تلك المؤسسة القمعية التي أُدرجت على قوائم العقوبات الدولية لضلوعها في قمع التظاهرات وتصدير الإرهاب – ليست زلة لسان، بل هي رؤية سياسية تقوم على استبدال “الحاكم” مع الحفاظ على “أدوات القمع”.
هذا التوجه يؤكد أن المشروع السياسي لـ “بهلوي” يفتقر إلى الرؤية التغييرية، بل يسعى إلى “هندسة” انتقال للسلطة يحمي المصالح الأمنية للنظام الحالي مقابل شرعية صورية. إن هذه الاستراتيجية تعمق الشكوك حول نوايا تيار “البهلويين” في إحداث تغيير جذري، وتدفعنا للتساؤل: هل يريدون تحرير إيران، أم إنقاذ أجهزة القمع من الانهيار المحتوم؟
المقاومة المنظمة: الخيار الوطني الأصيل
تؤكد زامباروتي بحزم أن حرية الشعب الإيراني لن تتحقق باستبدال “عمامة الملالي” بـ “تاج الشاه”. إن التاريخ الإيراني المعاصر، بدمائه وتضحياته، يرفض كلا الاستبدادين. وفي هذا السياق، تبرز المقاومة الإيرانية، بقيادة السيدة مريم رجوي، كقوة فاعلة ناضلت لعقود طويلة ضد دكتاتورية الشاه أولاً، وضد نظام “ولاية الفقيه” ثانياً.
هذه المقاومة ليست مجرد كيان سياسي، بل هي تجسيد للإرادة الوطنية التي لم تساوم على مبادئها رغم القمع الممنهج. إن التضامن مع هذه القوى هو السبيل الوحيد لضمان انتقال حقيقي للسلطة نحو جمهورية ديمقراطية علمانية قائمة على التعددية، وهو ما يثبت يوماً بعد يوم أن البديل ليس في “القصور اللامعة” أو الصفقات السياسية، بل في الجماهير المنتفضة.
“ثلاثاء لا للإعدام”: صوت الحق في زنازين الاستبداد
في ختام تحليلها، تسلط زامباروتي الضوء على حملة “ثلاثاء لا للإعدام” التي انطلقت من قلب السجون الإيرانية. إن هذه الحملة تمثل البوصلة الحقيقية للنضال؛ فهي لا تصدر عن مكاتب السياسيين أو صالونات العواصم الغربية، بل تنبع من الزنازين حيث تُنتزع الحرية ويُمارس التعذيب.
إن استمرار هذه الحملة وتصاعدها هو البرهان القاطع على أن الشعب الإيراني قد حسم أمره: لا رجوع إلى الوراء (نظام الشاه)، ولا استمرار للحاضر (نظام الملالي). إن المسارات الأصيلة للتحرر تولد حيث يواجه الإنسان الظلم بصدر عارٍ. وكما أثبتت التجربة التاريخية، فإن أي سلطة تتجاهل تضحيات شعبها وتراهن على أجهزة القمع هي سلطة تائهة، ولا مكان لها في مستقبل إيران الحر.
في نهاية المطاف، يبقى الخيار واضحاً للمجتمع الدولي: دعم تطلعات الشعب الإيراني نحو جمهورية ديمقراطية، أو السقوط في فخ الرهانات الخاسرة على بدائل لا تحمل في طياتها سوى وجه آخر لعملة الاستبداد القديمة.
عبدالرزاق الزرزور محامي وناشط حقوقي سوري








