کوالیس الیوم- د. سامي خاطر أكاديمي وأستاذ جامعي:
الحراك العمالي من المطلبية المعيشية إلى أفق التغيير البنيوي..
تشهد الساحة السياسية والاجتماعية في إيران تحولاً نوعياً في أدوات التعبير عن الاحتجاج.. حيث برزت في يوم العمال العالمي ملامح قطيعة استراتيجية مع أنماط التظاهر التقليدية؛ فلم تعد الشعارات المرفوعة في مدن مثل طهران، وكرج وبندر عباس تقتصر على تحسين ظروف العمل أو رفع الأجور؛ بل انتقلت بوضوح نحو تسييس المطالب العمالية وربط الخلاص الاقتصادي بضرورة التغيير السياسي الجذري؛ هذا التحول يعكس حالة من الاحتقان الهيكلي الذي بات يربط بين تدهور القوة الشرائية للطبقة الكادحة وبين التوجهات الكبرى للسياسة الخارجية والإنفاق العسكري.
تسييس الأزمة الاقتصادية وتآكل العقد الاجتماعي
يعاني القطاع العمالي في إيران من ضغوط مركبة ناتجة عن تداخل العزلة الدولية المفروضة على نظام الملالي مع ما يصفه مراقبون بـ سوء الإدارة البنيوي.
إن تخصيص موارد الدولة لدعم البرامج النووية والصاروخية والتدخلات الإقليمية أدى من وجهة نظر المحتجين إلى تجفيف منابع التنمية المحلية.. هذا الواقع دفع بالوحدات الميدانية والشباب في مناطق مثل كرمانشاه ورشت إلى تبني خطاب يحمل النظام الكهنوتي الحاكم مسؤولية تدمير الاقتصاد الوطني مما ولّد قناعة لدى هذه القوى بأن الموارد المخصصة للأمن الغذائي والمعيشي قد جرى تحويلها وظيفياً لتمويل استدامة المنظومة السياسية وتعزيز ترسانة أدوات القمع الأمني.
وحدات المقاومة وبروز خطاب “التسلح”
في تطور لافت يتجاوز الخطاب الإصلاحي؛ شهدت مدن طبس ودورود ظهور شعارات تدعو صراحة إلى حمل السلاح كأداة للدفاع عن النفس وانتزاع الحقوق.. وإن انخراط وحدات المقاومة التابعة لـ جيش التحرير الوطني الإيراني في تنظيم أنشطة ميدانية ورفع صور القيادة السياسية للمعارضة مثل مريم رجوي ليشير إلى رغبةٍ في تحويل الغضب العفوي إلى عمل تنظيمي راديكالي.. هذه الدعوة للتسليح تمثل منعطفاً حرجاً.. إذ تعني انتقال الحراك من “المقاومة المدنية” إلى آفاق “المواجهة الشاملة” ضد أجهزة السلطة مما يرفع من حدة المواجهة في وجه النظام ويستنزف قدراته الأمنية والسياسية.
رفض “ثنائية الاستبداد” والبحث عن البديل الديمقراطي
اتسمت الاحتجاجات الأخيرة في بروجرد وساري ومرودشت بتركيزها على رفض كافة أشكال الحكم الشمولي؛ حيث ترددت شعارات ترفض العودة إلى نظام الشاه بقدر رفضها لاستمرار نظام الملالي.. هذا الخطاب يسعى لتكريس مفهوم الثورة الديمقراطية كمسار ثالث يرفض الاستبداد التاريخي والمعاصر على حد سواء.
إن تأكيد المحتجين على أن منظمة مجاهدي خلق الایرانیة هي السند لنضالهم يعزز من حضور البديل السياسي المنظم الذي يطرح مشروعاً لإقامة جمهورية ديمقراطية تقوم على فصل الدين عن السلطة والعدالة الاجتماعية وهو ما يمثل تحدياً مباشراً لشرعية “الولي الفقيه”.
المواجهة المفتوحة.. استراتيجية “إسقاط الهيكل”
لم تعد الرسائل الموجهة في يوم العمال مجرد “صرخة استغاثة” بل تحولت إلى استراتيجية تهدف إلى تفكيك الركائز السياسية للنظام؛ ففي ظل الارتفاع الجنوني للأسعار واتساع فجوة الفقر يرى الحراك الثوري أن أي إصلاح تحت مظلة النظام الحالي هو “ضرب من المستحيل”.. لذا فإن رفع شعارات “الموت للظالم” في الساحات العامة يمثل إعلاناً عن سقوط حاجز الخوف وانتقال الطبقة العاملة من دور الضحية الاقتصادية إلى دور المحرك السياسي الذي يسعى لإعادة صياغة العقد الاجتماعي عبر الإسقاط الكامل للمنظومة القائمة.
نحو أفق سياسي جديد..
إن المشهد الراهن في إيران والممتد من خرم آباد إلى طبس يؤكد أن الحراك العمالي قد تجاوز “نقطة اللاعودة”.. وإن الربط بين “الخبز والحرية” لم يعد شعاراً نظرياً بل تحول إلى برنامج عمل ميداني يتبنى المقاومة الشاملة، ومع استمرار النظام في استخدام آلة الكبت والإعدام لمواجهة المطالب المعيشية تزداد جاذبية الطروحات الثورية التي تنادي بجمهورية ديمقراطية.. وإن طريق الخلاص كما ترسمه هذه الاحتجاجات لا يمر عبر الصناديق التي يسيطر عليها النظام بل عبر الانتفاضة الشعبية التي تستهدف بناء نظام جديد يرتكز على الكرامة الإنسانية والعدالة بعيداً عن إرث الاستبداد بنوعيه الديني والبهلوي.
د. سامي خاطر أكاديمي وأستاذ جامعي
مريم رجوي الرئيسة الجمهورية لإيران المستقبل








