موقع المجلس:
شهد سوق العملات الأجنبية في إيران خلال الأسابيع الأخيرة تقلبات حادة تُعد من بين الأكثر اضطراباً في تاريخه، حيث واصل الدولار الأمريكي ارتفاعه متجاوزاً مستويات نفسية مهمة، مقترباً من 200 ألف تومان. ولا يعكس هذا الصعود مجرد اضطراب مؤقت، بل يشير إلى تراجع ملحوظ في الثقة بالاقتصاد. ففي مطلع العام الإيراني 1405، كان سعر الدولار يدور حول 157 ألف تومان، قبل أن يقفز اليوم إلى ما يفوق 183 ألف تومان.
هذا الارتفاع السريع خلال فترة وجيزة لا يمكن اعتباره تقلباً عادياً، بل يمثل دلالة واضحة على اشتداد الضغوط الاقتصادية الكلية، وتسارع توقعات التضخم، واستمرار تدهور العملة المحلية. ويرى مراقبون أن ما يحدث قد يكون بداية مرحلة طويلة من عدم الاستقرار، وليس مجرد أزمة عابرة.
اقتصاد تحت الضغط: تراجع الإنتاج وتعثر الصادرات
يواجه الاقتصاد الإيراني تحديات متفاقمة، من بينها انخفاض إنتاج القمح والحبوب، إلى جانب تأخر سداد مستحقات المزارعين. كما أسهمت التوترات الجيوسياسية وتعطل طرق تصدير النفط في تعقيد الوضع الاقتصادي، ما أدى إلى تفاقم الأزمات المعيشية وزيادة هشاشة البنية الاقتصادية، خاصة في ظل العقوبات والقيود المفروضة.

وتؤكد حركة السوق خلال الشهرين الماضيين هذا الاتجاه؛ إذ بدأ ارتفاع الدولار بوتيرة تدريجية، قبل أن يتسارع بشكل ملحوظ في الأسابيع الأخيرة. ففي فترة قصيرة، تجاوز السعر حاجز 180 ألف تومان، واقترب من 190 ألفاً، مع تسجيل قفزات يومية ملحوظة تعكس حالة من عدم الاستقرار والمضاربات الحادة في السوق.
وحتى في حال استقرار الأسعار نسبياً، فإن حجم الزيادة يبقى لافتاً، إذ ارتفع الدولار بنحو 30 ألف تومان خلال نحو 40 يوماً، مع زيادات أسبوعية كبيرة تُعد غير مألوفة تاريخياً، ما يشير إلى اختلالات أعمق في بنية الاقتصاد.
أسباب هيكلية وتراجع تدفقات النقد الأجنبي
تعود جذور الأزمة إلى عوامل هيكلية، أبرزها انخفاض المعروض من العملات الأجنبية نتيجة تراجع الصادرات، خاصة في قطاعات مثل الصلب والبتروكيماويات. كما أدت العقوبات والقيود التجارية إلى تقليص تدفق العملات الصعبة بشكل كبير.
في المقابل، دفع ارتفاع معدلات التضخم—الذي تشير بعض التقديرات إلى تجاوزه 60%—الأفراد والشركات إلى اللجوء للعملات الأجنبية والذهب كوسيلة لحماية مدخراتهم. ويزيد من تعقيد المشهد ضعف السياسات الاقتصادية، مثل تعدد أسعار الصرف، وغياب الشفافية، وتراجع الثقة العامة، ما يجعل السوق شديد التأثر حتى بالشائعات.
كما يشهد القطاع الصناعي تراجعاً في الإنتاج نتيجة نقص الطاقة وتأثيرات الأزمات، في حين يتجه رأس المال نحو الأصول الآمنة بدلاً من الاستثمار الإنتاجي، وهو ما يعزز الضغوط التضخمية ويقوض فرص النمو. ورغم اختلاف التوقعات بشأن المسار المستقبلي، فإن التجارب السابقة تشير إلى محدودية تأثير التدخلات قصيرة الأجل في تغيير الاتجاه العام.
تداعيات اجتماعية متصاعدة
انعكست هذه التطورات سلباً على الأوضاع المعيشية، حيث ارتفعت تكاليف السكن والسيارات والسلع الأساسية، مما زاد العبء على الفئات ذات الدخل المحدود، وأدى إلى تآكل قدرتها الشرائية. ويحذر محللون من أن استمرار هذا التدهور قد يؤدي إلى تصاعد الاحتجاجات، مع تحول الضغوط الاقتصادية إلى حالة من السخط الاجتماعي.
في المحصلة، لا يُعد ارتفاع الدولار إلى هذه المستويات ظاهرة منفصلة، بل نتيجة تراكمية لمجموعة من الأزمات الاقتصادية والسياسات غير الفعالة. ومن دون إصلاحات هيكلية واستعادة الثقة، يبدو أن الاقتصاد مرشح لمزيد من التراجع وعدم الاستقرار في المرحلة المقبلة.








