الاحتجاجات في ایران-
نضال طويل يصل إلى لحظته الحاسمة
بقلم – حسين داعي الإسلام:
إن انتفاضة عام 2026 في إيران ليست حدثاً معزولاً، ولا مجرد انفجار مفاجئ للغضب. تاريخياً، هي تمثل الفصل الأحدث والأكثر حسماً في نضال صاغ تاريخ إيران لأكثر من 120 عاماً؛ صراع مستمر بين رؤيتين متناقضتين للحكم: الحرية مقابل الديكتاتورية.
منذ أوائل القرن العشرين، تمحور التاريخ الإيراني مراراً وتكراراً حول هذا السؤال الجوهري. فمن جهة، يقف الحكم الاستبدادي الذي ظهر في أشكال مختلفة — سواء كان نظام الشاه أو نظام الملالي — ولكنه اعتمد باستمرار على السلطة المركزية، والقمع، والرقابة، والاستغلال الاقتصادي، والتلاعب بالمعتقدات العامة. ومن الجهة الأخرى، يقف مطلب الحرية الذي دفع ثمنه الشعب عبر السجون، والمنفى، والإعدامات، وحركات المقاومة، والجهود طويلة الأمد لتوعية المجتمع وتعبئته.

مريم رجوي: إرادة الشعب أقوى من “حرس النظام” وعلى العالم دعم خيار الإسقاط
١٢ يناير ٢٠٢٦ — في مقابلة مع “جاست ذي نيوز”، أكدت السيدة مريم رجوي أن الانتفاضة الوطنية تجاوزت آلة قمع حرس النظام الإيراني، داعية المجتمع الدولي للاعتراف بنضال الشباب لإسقاط الدكتاتورية، تزامناً مع الغليان الشعبي ضد الفساد والتضخم الشهري.
هاتان الرؤيتان تتواجهان الآن بشكل مباشر في الانتفاضة الوطنية التي بدأت في يناير 2026 .
ما هو الرهان السياسي؟
في جوهرها، تتعلق انتفاضة 2026 بالاختيار بين نظامين مختلفين جذرياً للحكم:
نظام استبدادي يتمحور حول فرد واحد أو سلطة دينية، حيث يتم تبرير السلطة من خلال الأيديولوجيا والقوة.
نظام ديمقراطي تعددي، حيث السيادة للشعب والسلطة السياسية خاضعة للمساءلة.
بالنسبة للشعب الإيراني، هذه الانتفاضة ليست مجرد احتجاج، بل هي استفتاء تاريخي حول كيفية حكم البلاد في المستقبل.
ما وراء الاحتجاج: رفض كل أشكال الديكتاتورية
إذا نُظر إلى انتفاضة يناير 2026 كنتيجة متراكمة للاحتجاجات والثورات السابقة، يتضح لنا تحول حاسم. هذه الحركة لا تواجه نظام الملالي الحالي فحسب؛ بل تقوم بتصفية الحساب مع الديكتاتورية كفكرة، سواء كانت ملالي أو الشاه.
لقد أنتجت عقود من القمع السياسي والاقتصادي والاجتماعي في ظل حكم الملالي نتيجة حاسمة: بالنسبة لغالبية واسعة من المجتمع الإيراني، أصبح أي شكل من أشكال الديكتاتورية أمراً غير مقبول. هذا الرفض لم يعد نظرياً، بل تحول إلى تيار اجتماعي قوي.
لقد انبثقت الانتفاضة من هذا الإدراك وهي تحمل مطلباً واضحاً: الرفض التام للحكم الاستبدادي بجميع أشكاله السياسية والأيديولوجية والدينية (لا لنظام الشاه ولا لنظام الملالي).
مجاهدي خلق: عدد شهداء الانتفاضة يتجاوز 3000 شهيد حتى 11 يناير
١٢ يناير ٢٠٢٦ — إعلان حصيلة صادمة لضحايا القمع الوحشي الذي يمارسه حرس النظام الإيراني، والسيدة مريم رجوي تصفها بالجريمة ضد الإنسانية وتطالب بمحاسبة الآمرين والمنفذين وسط تفاقم الأزمات المعيشية والتضخم الشهري.
لماذا يصبح التجذير حتمياً
مع استمرار الانتفاضة، يصبح التجذير أمراً لا مفر منه، ليس بمعنى التطرف، بل بمعنى وضوح الهدف. عندما يثبت النظام عجزه عن الإصلاح وعدم رغبته في الاستجابة للمطالب العامة، يصبح الحل الوحيد المتبقي هو إزالته.
يقدم التاريخ مثالاً واضحاً. خلال ثورة إيران عام 1979، لو استمرت الاحتجاجات الجماهيرية إلى ما لا نهاية دون تصعيد بين 7 فبراير و11 فبراير 1979، لما سقط الشاه بهذه السرعة، وربما لم تكن ليسقط أصلاً. كان التحول الحاسم نحو المواجهة هو الذي أنهى حكم الفرد الواحد.
ينطبق المنطق التاريخي نفسه اليوم. نظام الملالي عاجز هيكلياً عن الإصلاح. نظامه مبني على السلطة المطلقة والسيطرة الأيديولوجية. في ظل هذه الظروف، التغيير التدريجي مستحيل، واستمرار الاحتجاج دون تصعيد يؤدي فقط إلى الاستنزاف وإضاعة الوقت.
نهاية الاحتجاجات المسيطر عليها
لطالما فضلت المؤسسة الحاكمة الإضرابات العمالية المحدودة، والاحتجاجات الفئوية، والمظاهرات المسيطر عليها، مما يسمح لها بالاستمرار إلى ما لا نهاية دون حل، بينما تدعي دولياً وجود “حرية احتجاج”.
تلك المرحلة انتهت الآن.
لقد أثبتت مثل هذه الاحتجاجات عدم فعاليتها، حيث استنزفت الطاقة العامة وبددت الأمل دون إحداث تغيير ملموس. كسرت انتفاضة يناير 2026 هذه الحلقة من خلال تحدي أسس السلطة بشكل مباشر. ومن الملفت للنظر أنها بدأت بتعبئة عابرة للطبقات، موحدةً فئات اجتماعية مختلفة تحت هدف سياسي مشترك.
إيران: الانتفاضة تمتد لـ 190 مدينة والشباب يستهدفون مراكز القمع
١٢ يناير ٢٠٢٦ — في اليوم الـ 14 للثورة، أكدت السيدة مريم رجوي أن صمود الشباب الثوار بمواجهة حرس النظام الإيراني أثبت العزم على النصر النهائي، تزامناً مع اتساع الاحتجاجات رداً على الفساد والتضخم الشهري.
نظام لا يمكن إصلاحه
لا يستطيع النظام الحاكم الحالي إحياء الاقتصاد الذي دمره، ولا يمكنه تنفيذ حتى الحد الأدنى من الإصلاحات الهيكلية. من منظور تاريخي وسياسي وفلسفي، وصل المجتمع الإيراني إلى نقطة تصفية الحساب النهائية مع الأيديولوجية الاستبدادية، بشقيها: نظام الملالي ونظام الشاه.
الاستجابة الوحيدة المناسبة لهذه اللحظة هي التوسع المستمر للانتفاضة. كل ساعة تمر تعزز الاستنتاج نفسه: التغيير الدائم لن يأتي عبر التفاوض أو الإصلاح، بل من خلال العمل الجماعي المستمر حتى تنهار هياكل الديكتاتورية.
فجر يرسمه الإصرار
تعكس انتفاضة 2026 مجتمعاً تجاوز الوهم والمساومة. إنها تشير إلى وصول جيل مصمم على إغلاق فصل طويل من الحكم الاستبدادي وفتح فصل جديد يقوم على الحرية والكرامة والسيادة الشعبية.
ما ينتظرنا ليس المجهول، بل الحسم الذي يشكله الإصرار والتنظيم والإرادة الجماعية لإنهاء الديكتاتورية مرة واحدة وإلى الأبد.








