السياسه الكويتية – نزار جاف : كان هناك مختار ماكر لأحد الاحياء, هذا المختار وفي جلسات السمر في الليالي, كان يعد أهل الحي دائما بالوعود والعهود المعسولة ويمنيهم بخيرات وبركات تنهمر على حيهم من دون انقطاع, لكنهم في النهار كانوا يواجهون البؤس والشقاء والضيم, وكلما كانوا يطلبون منه تحديد موعد لتلك الخيرات والبركات التي ستنهمر عليهم كان يقول لهم: “العجلة من الشيطان, اصبروا فالفرج قادم, ذهب الكثير وبقي القليل”,
لكن, وازاء ذلك كانت الاوضاع في الحي تسوء كثيرا فترة بعد أخرى ووصلت الى درجة لم تعد تطاق, لكن المختار كان يقوم في الوقت نفسه وخلال جلسات السمر الليلية أيضا بتوسيع دائرة وعوده وعهوده وخيراته وبركاته حتى وصل الامر بأحدهم أن صاح في أحد الليالي: نحن سنكون أغنى وأحلى وأكثر حي محبوب في العالم, لكننا الان وفي واقع أمرنا أفقر وأبشع وأكثر حي مكروه في العالم!
نظام الملالي في طهران, والذي حكم ويحكم إيران بواسطة أخبث الطرق وباعتماد أكثر السبل وصولية وانتهازية, اطلق ومنذ الايام الاولى لمجيئه المشؤوم بإطلاق الوعود والعهود المعسولة بإجراء تغيير جذري لصالح الشعب الايراني, وخصوصا في خطب الجمعة التي جعل منها مناسبة عامة لتخدير العقل الجمعي والسعي الى شله عن التفكير العلمي والمنطقي بالواقع الايراني السيء جدا, وان الشعب الايراني لم يقبض من وعود وعهود وأدعية وأبخرة الملالي طوال أعوام حكمهم الاسود سوى الكلام الفاضي الذي لا يمكن أن يدخل في الجيوب كأموال ولا في الصحون كطعام!
ملالي إيران الخبثاء, اهتموا منذ اليوم الاول لمجيئهم بقضية الاطياف والاتجاهات المخالفة لهم, وهم بخلاف كل النظم السياسية “الاستبدادية” في العالم, لم يكتفوا بمطاردة وقمع معارضيهم فقط وانما كانوا يضعون دائماً آلية خاصة لاجتثاثهم من الجذور والقضاء عليهم قضاء مبرما, وقد فعلوا ذلك مع مختلف القوى المعارضة لهم ونجحوا نجاحا لا يمكن الاستهانة به او التقليل منه, فهم قد تمكنوا بصورة أو بأخرى من اجتثاث او على الاقل تشتيت المعارضة وجعلها شذرا مذرا واختلقوا او بالاحرى نصبوا معارضة أخرى من طراز خاص يقودها رجال من النظام نفسه, وتدعو هذه المعارضة التي تسمى”خضراء”وهي في حقيقة أمرها”صفراء”, لأنها ورغم البريق الاعلامي والهالة الكبيرة المحاطة بها, فإنها لم تقدم شيئا على أرض الواقع للشعب الايراني, لكنها”أي هذه الحركة الصفراء”, قدمت ما هو مفيد ومناسب للملالي بأن جمدت وشلت نضال وكفاح الشعب الايراني من أجل التغيير الجذري وإسقاط النظام واستطاعت تحريف ذلك النضال بأن يكون في سبيل تجميل وجه النظام القبيح وإعادة تأهيله إيرانيا!
مشكلة المشكلات للنظام الايراني المتطرف كانت ولاتزال مع منظمة “مجاهدي خلق” الايرانية المعارضة التي شكلت ولاتزال تشكل سكيناً في خاصرة النظام وما فتئت تمثل تهديدا بالغ الخطورة والجدية ضده, ولئن سلك دجالو طهران كل السبل المباحة وغير المباحة من أجل القضاء على هذه المنظمة واجتثاثها من الاساس, لكنهم كانوا يجدون نفسهم دائما أمام حالة مختلفة تماما عن كل الحالات الاخرى للمعارضة الايرانية القائمة بوجههم, حيث أن كل ما ارتكبوه من تشويه وتحريف وتزييف بحق نضال المنظمة وتاريخها العريق في مقاومة الديكتاتورية والاستبداد في إيران, لم يؤد بالضرورة الى النتيجة التي كانوا يحلمون بها او ينتظرونها, إذ أن المنظمة ورغم قوة العاصفة السوداء لملالي إيران بوجههم لكنهم ليس فقط تمكنوا من الصمود بوجهها وانما قلبوا دفاعهم السلبي الى هجوم إيجابي ضد النظام, بحيث باتوا اليوم حقا قوة حقيقية ماثلة على الساحة الايرانية لا يمكن الاستهانة بها أبدا بل وانها باتت تشكل رقما صعبا جدا في معادلة التغيير السياسي المستقبلي في إيران.
سعي النظام الى القضاء على منظمة “مجاهدي خلق” عبر مؤامرات التصفية الجسدية والجماعية أمر جعله النظام محورا اساسيا من أجل القضاء على المنظمة وتصفيتها, وقد توفرت فرصة مؤاتية للنظام لتحقيق هذا الهدف في نهاية العام ,2011 للقضاء على سكان “معسكر أشرف”باعتبارهم يمثلون الرمز الاساسي والاهم لمنظمة مجاهدي خلق”, لكن التدخل الدولي المكثف حال دون ذلك, ولذلك فقد وضع النظام خطة خبيثة بديلة للقضاء على أشرف وهي خطة تكاد تختلف عن غيرها من المخططات الخبيثة الاخرى التي وضعها النظام, وان معلومات مؤكدة من داخل رحم النظام الايراني نفسه تؤكد أنه كان قد أقنع الامم المتحدة والولايات المتحدة الاميركية ومارتن كوبلر الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين والصليب الاحمر الدولي, بأن هؤلاء”أي منظمة مجاهدي خلق” المتمثلين بسكان “أشرف”, إذا ما تم اجتثاثهم من أشرف ونقلهم الى مكان آخر, فإن ذلك الامر سيكون بمثابة اقتلاع شجرة من مكانها حيث لن يكون بوسعها الاستمرار بالحياة أبدا بعد ذلك, وأكد النظام لهذه الجهات ان صفوف منظمة “مجاهدي خلق” ستبدأ بالتراخي رويدا رويدا وسيشرع المئات بعد المئات منهم بطلب العودة الى إيران او على الاقل ترك صفوف المنظمة. هذه الخطة الخبيثة لاجتثاث سكان أشرف وتصفيتهم كاملا, من المهم جدا ملاحظة أن النظام قد وضعها بصورة بالغة الخبث بأن أقحم فيها أطرافاً دولية من أجل تحقيق غاياته تماما كما فعل مع إدارة الرئيس الاميركي الاسبق بيل كلينتون عندما ورطها بدفعها لإدراج المنظمة في قائمة الارهاب, لكن وبعد أن تم إبرام مذكرة التفاهم الخاصة بحل مشكلة “أشرف” بين الامم المتحدة والحكومة العراقية والتي أوحى النظام الايراني لحكومة نوري المالكي بتوقيعها لظنه أنه سيحقق أهدافه الخبيثة قبل أن تنفذ تلك المذكرة, فقد بدأت عمليات نقل سكان “أشرف” الى مخيم “ليبرتي” واول مجموعة منهم قد وصلت الى المخيم الجديد في 18 شباط من العام الحالي, أي قبل خمسة أشهر, ورغم وصول 2000 من سكان “أشرف” الى مخيم “ليبرتي”, لم يحدث شيئ من ذلك الوهم الذي اوحى به الملالي الدجالون لتلك الجهات الدولية وانما ازدادوا في التمسك بمواقفهم والإصرار عليها في ضوء مؤشرات ودلالات جديدة ومهمة جدا على صعيدي إيران والمنطقة, إذ كما نعلم جميعا بأن العقوبات النفطية للاتحاد الاوروبي قد تم البدء بتطبيقه اعتبارا من الاول من يوليو الجاري, كما أن الاوضاع في سورية قد تفاقمت بصورة غير مألوفة وبات نظام بشار الاسد مهددا أكثر من أي وقت سابق, بالاضافة الى ضبابية الاوضاع في العراق واضطرار التيار المعادي لنفوذ نظام الملالي في العراق الى التحرك, ولذلك فإن التخرصات والمزاعم الواهية للملالي باحتمال اجتثاث منظمة “مجاهدي خلق” والقضاء عليها قد تكون حقيقية وواقعية جدا فيما لو فكر المجتمع الدولي الدولي بتطبيقها ضد نظام الدجالين والكذابين والارهابيين في طهران, فقد آن الاوان لكي يفكر المجتمع الدولي وبجدية في اجتثاث شجرة الخبث والتطرف الديني والطائفي في طهران.
*كاتب وصحافي عراقي








