موقع المجلس:
تعيش إيران أزمة مائية غير مسبوقة، تهدد بأن تكون الأخطر في تاريخها الحديث. لم يعد الأمر مجرد تحذيرات بيئية عابرة، بل تحول إلى واقع مر تعترف به أعلى مستويات الحكم. ففي طهران، التي تهبط أرضها بمعدل 30 سنتيمتراً سنوياً نتيجة الاستنزاف المفرط للمياه الجوفية، يقترب شبح “اليوم صفر” – لحظة انقطاع مياه الشرب – من أن يصبح واقعاً ملموساً في العاصمة ومدن أخرى.
هذه الأزمة لم تنشأ فقط بفعل موجات الجفاف، بل كانت حصيلة سنوات من السياسات الخاطئة، والفساد المؤسسي، وتجاهل احتياجات السكان، بالتوازي مع أزمة طاقة خانقة شلّت العمل في مرافق 11 محافظة.
تحذيرات من قلب السلطة: طهران أمام مأزق مصيري
لم تعد أزمة المياه في العاصمة تحتمل التأجيل، فقد وصفها مسؤولون بأنها بلغت “مرحلة حرجة”. الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، أقر بأن وضع طهران المائي “خطير”، فيما ذهب وزير الداخلية، العميد مؤمني، إلى الاعتراف بعجز كامل، قائلاً: “مشكلاتنا المائية جوهرية، ولم يعد أمامنا أي خيار… الأمر بات ضرورة لا مفر منها”. وأكد أن الموارد المتاحة من مياه جوفية وسدود وأمطار باتت غير كافية، وأن جميع الحلول المطروحة جُرّبت دون جدوى، ما يعني أن العاصمة تواجه مستقبلًا غامضاً ومظلماً.
مشهد وطني قاتم: أنهار جافة وبحيرات تحتضر
المأساة لا تقتصر على طهران. ففي أصفهان، تسبب جفاف نهر “زاينده رود” في احتجاجات واسعة قمعتها السلطات بالقوة، بينما تحولت بحيرة أورميه في الشمال الغربي، التي كانت الأكبر في الشرق الأوسط، إلى مساحات شاسعة من الملح، مهددةً بكارثة بيئية وصحية خطيرة. احتجاجات المزارعين في خوزستان وغيرها من المناطق، دليل إضافي على أن أزمة المياه باتت تهدد الاستقرار الاجتماعي والسياسي في عموم البلاد.
أسباب أعمق من الجفاف: سياسات مدمرة وإدارة فاشلة
رغم محاولات النظام إلقاء اللوم على التغير المناخي والعقوبات، يؤكد خبراء مستقلون أن جذور الأزمة تكمن في عقود من القرارات الكارثية. فالتسابق بين المحافظات لبناء مئات السدود بلا جدوى اقتصادية أو بيئية أفسد التوازن المائي الطبيعي. كما أن الإصرار على زراعة محاصيل مستهلكة للمياه لتحقيق “الاكتفاء الذاتي” مع الإبقاء على أساليب ري بدائية تهدر أكثر من 70% من الموارد المائية، أدى إلى استنزاف خطير للمخزون الجوفي. كل ذلك ترافق مع أزمة طاقة شاملة كشفت هشاشة البنية التحتية وفشل الإدارة في توفير أساسيات الحياة.
خلاصة المشهد
إن اعترافات المسؤولين الإيرانيين بالعجز المائي تعني أكثر من مجرد نقص في الموارد، فهي إدانة مباشرة لفشل منظومة الحكم بأكملها. فقد فضل النظام إنفاق الموارد على مشاريع نووية وصاروخية ودعم ميليشيات خارجية، بينما يترك شعبه يواجه العطش والمستقبل المجهول. لم يعد “اليوم صفر” مجرد اصطلاح بيئي، بل تحول إلى إنذار سياسي يعكس لحظة انهيار الدولة أمام أعين ملايين المواطنين، مع ما يحمله ذلك من تداعيات اجتماعية واقتصادية يصعب التكهن بحدودها.








