موقع المجلس:
حسب ما افادة وكالة الأنباء الإيرانية “إيرنا” رسمیاً، اعلن “مسؤول في منظمة الباسيج” إنه “بناءً على طلبات شعبية واسعة، تم تفعيل نقاط تفتيش الباسيج والدوريات الليلية في جميع أنحاء البلاد للحفاظ على أمن المواطنين”. هذا الخبر، الذي يبدو في ظاهره تدبيراً أمنياً لمواجهة التهديدات الخارجية، يكشف في باطنه عن حقيقة أعمق متجذرة في تاريخ هذا النظام القمعي.
ففي ظل حرب ذات طابع جوي، تُستخدم فيها الصواريخ والطائرات المسيرة والمقاتلات، يطرح السؤال الأساسي نفسه: ما هي علاقة نشر قوات الباسيج في الشوارع، وتسيير دوريات ليلية، وإقامة نقاط التفتيش، بالأمن ضد الهجمات الصاروخية؟ هل يعتزم النظام إيقاف الصواريخ بدوريات راجلة ومحمولة في الأحياء؟ إن الشعب الإيراني يدرك جيداً ويشعر بأن الهدف الحقيقي من هذا الحضور الميداني هو السيطرة على مجتمع لم يعد قادراً على تحمل نظام مولع بالحروب، وترهيبه؛ نظام استمر في حياته المأزومة لعقود عبر تهديد العالم وممارسة العنف ضد أمن شعبه.

إن تجربة الشعب الإيراني على مدى أكثر من أربعة عقود مع حكم الملالي تُظهر أنه كلما تحدث النظام عن “طلب شعبي”، فإنه في الواقع يفرض إرادته بالقوة والقمع والسجن. إن عبارة “بناءً على طلبات شعبية واسعة”، المبتذلة والمتكررة، هي جزء من اللغة الرسمية التي يستخدمها النظام لإضفاء الشرعية على إجراءاته القمعية. تعمل هذه العبارة كدرع زائف في مواجهة موجة السخط الاجتماعي؛ وكأن الشعب، الذي هو ضحية أزمات ومغامرات هذا النظام السياسية والعسكرية، يطالب الآن بدوريات ليلية وحضور للميليشيات في أزقته وشوارعه! إنه نفس الشعب الذي هتف لسنوات في شوارع إيران: “عدونا هاهنا، يكذبون حين يقولون أمريكا”.
ولكن الحقيقة شيء آخر. إنها خوف النظام من شعب سئم منه وغاضب من سياساته التي أشعلت فتيل الحرب؛ شعب لم يعد يعتقد أن هناك تهديداً أخطر من السلطة الحازمة نفسها. شعب يعرف أن السبب الحقيقي لامتداد الحرب إلى داخل حدود إيران هو السياسات المعادية للمصلحة الوطنية، والتي تبناها حكام دأبوا على اختلاق الأعداء لإنكار حق الشعب الإيراني في الحرية والديمقراطية والمساواة، ولتحقيق هذا الهدف، عملوا دائماً على خلق انعدام الأمن في الداخل والخارج.
والآن، وبدلاً من تقديم إجابات حول الوضع الاقتصادي المتردي، وعدم الكفاءة في إدارة البلاد، والفشل في بناء ملاجئ للشعب، والتدخلات المكلفة في المنطقة على مدى عقود، عاد النظام إلى أسلوبه المعتاد: عسكرة الأحياء والشوارع، وزيادة الدوريات الأمنية، وخلق جو من الرعب في الداخل، بحجة “الحفاظ على الأمن”. لكن الشعب الإيراني يميز الكذب جيداً في الأدبيات المبتذلة لهذا النظام. إنه يدرك بوضوح أن هذا الحضور العسكري يهدف إلى احتواء وقمع غضبه من جر البلاد إلى الحرب.
إن غرف التفكير في نظام الملالي تريد، في الأيام والليالي التي تُسمع فيها أصوات الانفجارات وصفارات الإنذار، أن يكون صوت القمع والترهيب الحكومي هو الأعلى في الأزقة؛ لأنها تشعر بأن التهديد الحقيقي لبقائها يكمن في الطاقة التفجيرية الكامنة في غضب الشعب الإيراني. وهو نظام قد يعتبر الحرب، على حد تعبير الخميني، “نعمة وفرصة” لاحتواء هذا الغضب والهروب منه.








