الوطن السعودية- يحيي الامير:ما هو على وشك السقوط الآن، وما يعيش حالة من التدهور يبدو أنها لن تتوقف قريبا ليست طهران، ولا إيران الدولة أو الثقافة، ولكن من يتعرض لكل ذلك هو سلطة رجال الدين، الذين يريدون إدارة الدولة على أنها شركة دينية، وليست دولة تقع في قلب العالم الحديث الذي بدأت فيه الثقافات تتجه لنصرة الإنسان وحريته على حساب التسلط عليه والتحكم به، وفق الشكل الوحيد القائم الآن للحياة وهو شكل الدولة المدنية.
عبر كثير من التجارب التاريخية، فالدولة المدنية لا تعني بأي حال من الأحول سقوط الثقافة والقيم الدينية، بل هناك منطقة واسعة وشاسعة جدا للتفريق بين المستويين ومختلف بلدان العالم الإسلامي تعيش في حياتها الاجتماعية وفق القيم الاجتماعية التي لديها، وهي قيم يعتبر الدين أحد أبرز وأهم المؤثرات في رسمها وتخطيط حدودها وتحويلها إلى أنماط سلوك اجتماعي عام، تتفاعل تلك القيم مع الأفكار والقيم الاجتماعية لتصنع الثقافة الخاصة بكل بلد إسلامي، ولكنها في ذات الوقت توجد مساحة كبرى من الالتقاء في القيم والانتماءات الكبرى بين بقية دول العالم الإسلامي وكل دولة إسلامية، وهو ما يجعل قضايا مثل الحج مثلا أو الأماكن المقدسة أماكن مشتركة في أهميتها ورمزيتها لدى كل من يحملون الإسلام قيمة وعقيدة.
وبالتالي فالدين ليس جنسية ولكنه ثقافة، وبما أنه ليس جنسية فإن محاولات تحويل أي كيان وطني إلى كيان ديني هي محاولة حتى وإن استطاعت الصمود في فترة زمنية ما فهي غير قادرة على الاستمرار ليس لعجزها على مستوى القدرات والإمكانات، ولكن لأنها تريد أن تقوم وأن تستمر وأن تزدهر وفق معادلة مغلوطة أصلا، تتمثل في أن إدارة الحياة من خلال الدين هي مهمة الله تعالى التي أرسل من أجلها الرسل لا لتكون الأديان أداة قمع وتسلط ومبررا بل لتمثل قيما عليا لحياة الأفراد ونظاما يساعدهم على إقامة وتحقيق العلة من وجودهم وهي عمارة الأرض، تلك العلة التي لم يختص بها الله تعالى أتباع ديانة وحدهم وإنما هي مهمة الإنسان الذي خلقه الله كيفما كانت ثقافته أو ديانته.
في عام 1970 حينما فسر آية الله علي خامنئي نظرته للسياسة والدولة أكد أنه لا بد للفقهاء ورجال الدين من أن يكونوا أوصياء على المجتمع وعلى أصحاب القرار ليس فقط في المسائل الأخلاقية بل في القضايا السياسية كذلك، وهي الفكرة التي أدى تطبيقها طوال ثلاثة عقود إلى انفجار على المستويين السياسي والاجتماعي، فما حدث هو أن الدولة بتدينها أصبحت أقل من طموح الناس الذين اتجهوا إلى صناديق الاقتراع ليعيدوا ترتيب طموحهم إلا أن رجال الدين هناك ضربوا ذلك الطموح فانفجر الشارع وتحولت بعدها شوارع طهران إلى ثكنات عسكرية، ذلك أن الديمقراطية في إيران إنما يتم التعامل معها من قبل المتدينين على أنها أداة لتنفيذ رؤيتهم، وبمجرد أن أوشكت أن تؤدي إلى غير ذلك تم الخروج عليها، وهي ذات اللعبة التي تؤديها التيارات الإسلاموية في مختلف البلدان إذ إن المؤسسات وأجهزة الدولة بالنسبة لهم ليست سوى وسيلة لتنفيذ أهدافهم.
ما يحدث الآن في إيران هو نتيجة لتنفيذ تلك الرؤية، وإيجاد سلطة تعتمد على إيهام الناس بأنها صوت الله وعصاه ويده التي تصرف الأمور، وهو ما يمنح السلطة بعدا غاية في القسوة والقوة والعنف، لمن يؤمنون بذلك ويعتقدون به حقا أو حتى ممن يستغلونه، وفكرة الدولة الدينية والحركات الدينية كذلك تعتمد دائما على أهم ترسانة في أسلحتها وهي أن كل ما تقوم به وتنفذه هو أمر إلهي، والجميع يتذكر مع بداية المواجهات في الشارع الإيراني أن الموقف الأول للمرشد الإيراني آية الله علي خامنئي كان في قوله: إن فوز أحمدي نجاد بالانتخابات هو حكم إلهي.
هذا التترس خلف إرادة إلهية، هو السلاح الأبرز الذي يواجه به القادة الإيرانيون كل من يحتج عليهم، لكن مجرد الاحتجاج يوحي بأن الفكرة القائلة إن سلطة المرشد الأعلى سلطة إلهية قد تعرضت لكثير من الاهتزاز، وهو اهتزاز بالنسبة للإيرانيين لا يتوقف عند حدود كونه موقفا من المرشد، ولكنه موقف من الفكرة أصلا، والشباب الذين يتظاهرون الآن في شوارع طهران يبدون في هيئاتهم جزءا من الشباب في أي مكان في العالم، إذ إنهم ينتمون إلى الثقافة الإنسانية في تجلياتها الحديثة أكثر مما ينتمون لتلك الأفكار والقيم التي أعاقت حياتهم وعلاقتهم بالعالم، وهنا تكمن منطقة القوة الحقيقية، فالأجيال السابقة الذين اتسمت حياتهم بضيق مساحة اقترابهم واكتشافهم للعالم، لم تكن الحياة بالنسبة لهم سوى إيران، أما الجيل الجديد فقد اكتشف أنه يتم تأطيره بما لا يمثل حياته، ولذا كانت أدوات الشباب الإيراني في هذه المعركة هي فأرة المؤشر في أجهزة الكمبيوتر وأصواتهم التي نقلوا بها المظاهرات هي صفحات الفيس بوك والنت لوج، في انعكاس للقيم الجديدة للشباب الجديد في كل العالم الذين باتوا يتأثرون بالمفاهيم الجديدة التي أحدثتها ثورة المعلومات والتقنية والاتصال.
طوال ثلاثين عاما لم تستطع إيران أن تقدم سوى نموذج الدولة التي تصيب كل العالم بالتوتر والكيان الذي ارتبط اسمه بمختلف الأزمات الدولية، ولم تستطع أن تقدم أية مسيرة تنموية أو نهضوية على مختلف المستويات.
إن الدرس الكبير الذي يحتم علينا الاستفادة منه هو الإيمان بأن الدولة المدنية الحديثة التي تنطلق من قيمها الدينية والثقافية والاجتماعية هي الكيان الوحيد القادر على البقاء والاستمرار والأمن وتحقيق معادلات التنمية والاستقرار والأمن، وأن محاولة تنظيم الحياة في الدولة المدنية بشروط غير مدنية لا يمكن لها أن تستمر وسيكون الناس هم أول خصومها، وأن الكوادر المتشددة حين تريد أن تسعى لربط أية مؤسسة أو كيان بتشددها فهي أول الطريق نحو انهياره وتفككه من الداخل.
وبالتالي فالدين ليس جنسية ولكنه ثقافة، وبما أنه ليس جنسية فإن محاولات تحويل أي كيان وطني إلى كيان ديني هي محاولة حتى وإن استطاعت الصمود في فترة زمنية ما فهي غير قادرة على الاستمرار ليس لعجزها على مستوى القدرات والإمكانات، ولكن لأنها تريد أن تقوم وأن تستمر وأن تزدهر وفق معادلة مغلوطة أصلا، تتمثل في أن إدارة الحياة من خلال الدين هي مهمة الله تعالى التي أرسل من أجلها الرسل لا لتكون الأديان أداة قمع وتسلط ومبررا بل لتمثل قيما عليا لحياة الأفراد ونظاما يساعدهم على إقامة وتحقيق العلة من وجودهم وهي عمارة الأرض، تلك العلة التي لم يختص بها الله تعالى أتباع ديانة وحدهم وإنما هي مهمة الإنسان الذي خلقه الله كيفما كانت ثقافته أو ديانته.
في عام 1970 حينما فسر آية الله علي خامنئي نظرته للسياسة والدولة أكد أنه لا بد للفقهاء ورجال الدين من أن يكونوا أوصياء على المجتمع وعلى أصحاب القرار ليس فقط في المسائل الأخلاقية بل في القضايا السياسية كذلك، وهي الفكرة التي أدى تطبيقها طوال ثلاثة عقود إلى انفجار على المستويين السياسي والاجتماعي، فما حدث هو أن الدولة بتدينها أصبحت أقل من طموح الناس الذين اتجهوا إلى صناديق الاقتراع ليعيدوا ترتيب طموحهم إلا أن رجال الدين هناك ضربوا ذلك الطموح فانفجر الشارع وتحولت بعدها شوارع طهران إلى ثكنات عسكرية، ذلك أن الديمقراطية في إيران إنما يتم التعامل معها من قبل المتدينين على أنها أداة لتنفيذ رؤيتهم، وبمجرد أن أوشكت أن تؤدي إلى غير ذلك تم الخروج عليها، وهي ذات اللعبة التي تؤديها التيارات الإسلاموية في مختلف البلدان إذ إن المؤسسات وأجهزة الدولة بالنسبة لهم ليست سوى وسيلة لتنفيذ أهدافهم.
ما يحدث الآن في إيران هو نتيجة لتنفيذ تلك الرؤية، وإيجاد سلطة تعتمد على إيهام الناس بأنها صوت الله وعصاه ويده التي تصرف الأمور، وهو ما يمنح السلطة بعدا غاية في القسوة والقوة والعنف، لمن يؤمنون بذلك ويعتقدون به حقا أو حتى ممن يستغلونه، وفكرة الدولة الدينية والحركات الدينية كذلك تعتمد دائما على أهم ترسانة في أسلحتها وهي أن كل ما تقوم به وتنفذه هو أمر إلهي، والجميع يتذكر مع بداية المواجهات في الشارع الإيراني أن الموقف الأول للمرشد الإيراني آية الله علي خامنئي كان في قوله: إن فوز أحمدي نجاد بالانتخابات هو حكم إلهي.
هذا التترس خلف إرادة إلهية، هو السلاح الأبرز الذي يواجه به القادة الإيرانيون كل من يحتج عليهم، لكن مجرد الاحتجاج يوحي بأن الفكرة القائلة إن سلطة المرشد الأعلى سلطة إلهية قد تعرضت لكثير من الاهتزاز، وهو اهتزاز بالنسبة للإيرانيين لا يتوقف عند حدود كونه موقفا من المرشد، ولكنه موقف من الفكرة أصلا، والشباب الذين يتظاهرون الآن في شوارع طهران يبدون في هيئاتهم جزءا من الشباب في أي مكان في العالم، إذ إنهم ينتمون إلى الثقافة الإنسانية في تجلياتها الحديثة أكثر مما ينتمون لتلك الأفكار والقيم التي أعاقت حياتهم وعلاقتهم بالعالم، وهنا تكمن منطقة القوة الحقيقية، فالأجيال السابقة الذين اتسمت حياتهم بضيق مساحة اقترابهم واكتشافهم للعالم، لم تكن الحياة بالنسبة لهم سوى إيران، أما الجيل الجديد فقد اكتشف أنه يتم تأطيره بما لا يمثل حياته، ولذا كانت أدوات الشباب الإيراني في هذه المعركة هي فأرة المؤشر في أجهزة الكمبيوتر وأصواتهم التي نقلوا بها المظاهرات هي صفحات الفيس بوك والنت لوج، في انعكاس للقيم الجديدة للشباب الجديد في كل العالم الذين باتوا يتأثرون بالمفاهيم الجديدة التي أحدثتها ثورة المعلومات والتقنية والاتصال.
طوال ثلاثين عاما لم تستطع إيران أن تقدم سوى نموذج الدولة التي تصيب كل العالم بالتوتر والكيان الذي ارتبط اسمه بمختلف الأزمات الدولية، ولم تستطع أن تقدم أية مسيرة تنموية أو نهضوية على مختلف المستويات.
إن الدرس الكبير الذي يحتم علينا الاستفادة منه هو الإيمان بأن الدولة المدنية الحديثة التي تنطلق من قيمها الدينية والثقافية والاجتماعية هي الكيان الوحيد القادر على البقاء والاستمرار والأمن وتحقيق معادلات التنمية والاستقرار والأمن، وأن محاولة تنظيم الحياة في الدولة المدنية بشروط غير مدنية لا يمكن لها أن تستمر وسيكون الناس هم أول خصومها، وأن الكوادر المتشددة حين تريد أن تسعى لربط أية مؤسسة أو كيان بتشددها فهي أول الطريق نحو انهياره وتفككه من الداخل.








