علي الكاش كاتب ومفكر عراقي:عندما نقسو في إنتقادنا للحكومة أو الأحزاب السياسية في المشهد العراقي الإحتلالي ونصب جام غضبنا على تصرف المسئولين أو بعض الجهات الحكومية، فهذا لأنه لم يتسنى لنا بعد رؤية تلة من الإيجابيات في حين أن هناك جبال شاهقة من السلبيات! وقد قال الإمام علي(رض) أن" من وضع نفسه موضع التهمة، فلا يلومن من أساء الظن به" والأحصائيات التي نشرت هنا وهناك من منظمات دولية أو أقليمية أو محلية، رسمية كانت أو غير رسمية تؤشر جميعها أحداثيات خطرة على حاضر ومستقبل العراق لأجيال قادمة.
بل تعري الحكومة العراقية من ورقة التوت الأخيرة بشأن الشعارات التي تتشدق بها والمشروعية الإنتخابية التي أصدعت رؤوسنا بها, عبر تصريحات المسئولين الذين بلا خجل بعد كل ما حصل من قتل وتخريب وتدمير وفساد وفقر ومرض وضياع يسمعوننا هذه الإسطوانة المشروخة التي مللنا منها، وأن كان البعض طرفا بها من خلال تصويته لزمرة الشر في الإنتخابات السابقة.
نحن لا نرغب بأن نخيط أفواهنا بخيوط الباطل والتلبيد، ولا نربط ألسنتنا بحبال الكذب والتثبيط، ونحن نرى شعبنا يئن من البلاء على أيدي الأسافل والإراذل من المحتلين والمطايا العراقية الوافدة معهم، عملاء ينهشون جسد الأمة ويستلذون بلحم ابنائها ويتلمظون بدمائهم البريئة. أن السكوت عن هذه الجرائمم ابشع من خرس شيطان! فإظهار الحقائق واجبا شرعيا قبل أن يكون إلتزاما وطنيا ومبدأ أخلاقيا. والشعب لا يحتاج إلى مواساة كي نواسيه عن جراحه القاتلة سيما إننا نعرف أي دواء يسكن آلامه ويضمن شفائه. من المؤكد أن الحكومة غير البارة مع شعبها لا يمكن أن تكون بارة مع غير مواطنيها الذين يخضعون لسلطانها, لذلك شهدنا مأساة أخواننا الفلسطينيين الذي كانوا قرابين نحرتها ميليشيات الحكومة بلا رحمة على مذبح العراق الديمقراطي الجديد. ولربما كانت الجريمة بحقهم لا تقل بشاعة عن جريمة الصهاينة بحق الفلسطينيين في غزة، لكن المجرمين هذه المرة أشقائهم كما يفترض يجمعهم الدين و القومية والتأريخ المشرك ووحدة التراب والمصير، لذلك كانت الجريمة اشد بلاءا ووقعا عليهم. ولكن ما يثير الإستغراب فعلا قيام بعض الفلسطينيين بصب جام غضبهم على القوى الوطنية العراقية الرافضة للإحتلال، ويدافعون بإستماته على العملية السياسية الجارية في ظل الإحتلال الأمريكي الإيراني الإسرائيلي ويبررون التدخل الإيراني في شؤون العراق متناسين معاناة اشقائهم الفلسطينيين في العراق، وقلوب العراقيين التي ماتزال تنبض بحب فلسطين والفلسطينيين! أنهم يتجاهلون أن بعض أشقائهم ما زالوا عالقين على الحدود العراقية الأردنية يعيشون عيشة البراري بعد أن شردتهم ميليشيات الحكومة وجردتهم من كل ما يملكون وتركتهم في الصحراء فريسة للضباع والفقر والمرض ينتظرون رحمة المفوضية العليا للاجئين منذ ثلاث سنوات! عندما يتجاهل شعب ما مستقل ويعيش بسلم وأمان مأساة شعب آخر محتل فتلك مصيبة إنسانية وأخلاقية. لكن عندما يتجاهل شعب محتل مأساة شعب آخر محتل مثله ويعيش نفس مأساته فتلك لعمري كارثة! فكيف وهو شعب شقيق كما يفترض قدم الكثير من المساعدات والتضحيات لنصرة القضية الفلسطينية؟
من البديهي أن من يتعامل مع أشقائه في الدين والقومية والعروبة بتلك الوحشية، سيكون أكثر همجية وعدوانية مع من يتآخى معه في الدين ويختلف معه في القومية وعناصر الأخاء الأخرى! وهكذا كان الحال مع سكان معسكر أشرف الذي يضم عددا من المدنيين مع عوائلهم كفلت المواثيق الدولية حماية حقوقهم كلاجئين في العراق، ووعدت إدارة الإحتلال بل تعهدت بأمنهم وسلامتهم مقابل نزع أسلحتهم الموجهة ضد ملالي الشر في إيران! فوافقوا بلا تردد، ولم يدور بخلدهم ان هذه الطغمة الإحتلالية الباغية التي تعلن الشر لحكم الملالي، تبطن لهم كل الود والعرفان بالجميل في تعاونهم معها لإحتلال إفغانسان والعراق, فجلد الأفعى الجميل وملمسها اللين لا يعبر عن السموم التي فيها.
لم تتعامل منظمة مجاهدي خلق مع الموضوع كصفقة تجارية مطلقا( نزع السلاح مقابل الأمن والسلام لسكان المعسكر) وإنما تعاملت معه بروح إيجابية عالية منطلقة من وضعها كضيف عزيزعلى الشعب العراقي يسوجب منها الإلتزام بآداب الضيافة وتجنب تجاوز الحدود هذا من جهة، وتماشيا مع الأوضاع الجديدة في العراق التي أفرزها الإحتلال ومنها حكومة لا يؤتمن جانبها تقف على مفرقي الطرق بين الشيطان الأكبر(أمريكا) والشيطان الأصغر(إيران) من جهة ثانية. تلك الأوضاع رتبت على مجاهدي خلق مسئوليات وإلتزامات جديدة وتحديات شاقة تستلزم المزيد من الصبر والتحمل والتضحيات ليس على مستوى المنظمة بشكل عام بل على عموم سكان اشرف كبارهم وصغارهم رجالهم ونسائهم.
مضت العملية البربرية التي قامت بها حكومة المالكي حسب توجيهات ملالي طهران وبمشاركة الحرس الثوري الإيراني وظهيره فيلق بدر في أجواء هادئة ومثير للشكوك. في الوقت الذي كان الرأي العام العراقي والعربي والدولي في غفوة عميقة لا يسمع سوى شخيرها, بإسثناء أصوات متفرقة هنا وهناك محسوبة على النظام الوطني السابق! رغم وحشية العملية التي كشفت عن الأفلاس الأخلاقي والإنساني لحكومة المالكي ونفاق الشيطان الأكبر! لكن المراقب لتصريحات المسئولين العراقيين سيما أصحاب الأفواه العراقية والألسن الإيرانية لا يستبعد مطلقا هذه المأساة البشرية! فقد كانت التصريحات المعادية لوجود منظمة مجاهدي خلق غالبا ما تقترن بتهديدات صريحة أو مبطنة, من قبل الكتل السياسية الحاكمة الموالية لنظام الملالي, وصاحبتها إعتداءات مشينة من قبل الحكومة وميليشياتها لا تختلف عن أعمال قطاع الطرق ومافيا الإجرام, أثبتت الحكومة بكل جدارة أنها خادم ذليل لحكام طهران وملتزمة بالطاعة العمياء لأوامرها على حساب كل القيم الإسلامية والوطينة والقومية والأخلاقية.
أما اللاعب الأمريكي المتسلل فقد إنسحب من الملعب وتوجه إلى مقاعد المتفرجين ورغم إنه لم يصفق للفريق الفائز الذي كان يلعب على أرضه بكامل فريقه، لكنه كان مرتاحا في سريرته لتلك النتيجة المثيرة في موقف يثير الريبة والحيرة! إنتهت مؤامرة المالكي بإعتقال (36) من ضيوف العراق الأبرياء، وكانت أصول الضيافة لا تختلف كثيرا عن ضيافة السجناء العراقيين بإسثناء الإغتصاب الجنسي! ولم تكن تلك إلتفاتة كريمة من حكومة المالكي أو مكرمة سخية لسكان أشرف لم يتمتع بها السجناء العراقيون، لكنه أدرك جيدا بأن الفضيحة هذه المرة ستكون بجلاجل وتكشف المستور.
لم تنفع الأصوات في داخل وخارج العراق لأقناع المالكي بأطلاق سراح المعتقلين، فالقيود الإيرانية الضاغطة تعيق مثل تلك الحركة وتدمي أيدي من يقوم به، وكانت أصوات المنظمات الدولية بما فيها منظمة العفو الدولية والعديد من الشخصيات الدولية السياسية والدينية والقانونية بلا صدى ولم تشكل ضغطا على المالكي ليستجيب نداء العقل والإنسانية. فالرجل يعلم أن مصيره في الأرض(معظم مستشاريه من الفرس) والسماء ( طاقم طيارته الإيرانية الخاصة جميعهم فرس) بيد ملالي طهران.
لابد من التنويه بأننا نحترم القانون في دولة القانون (كما يسميها المالكي) ولكن هل فعلا العراق الجديد هو دولة القانون؟ إنها نكتة بلا شك! فحكومة المالكي آخر من يتكلم عن القانون! ولنتساءل كيف يكون الموقف عندما لا تحترم السلطة التنفيذية السلطة القضائية وتستهين بقراراتها؟ وكذلك عندما ترفض أداة القانون(الشرطة) تنفيذ حكم القانون(سلطة القضاء)! في غضون إقرار القضاء بإطلاق سراح السجناء لبطلان التهم الموجهة إليهم بمعنى أنهم أبرياء ومن حقهم ان يقيموا دعوى على المالكي ووزيري الدفاع والداخلية وزعيم فيلق بدر هادي العامري ويطالبون بتعويضات عن الأضرار البشرية والمادية والمعنوية التي لحقت بهم؟
ماذا نسمي إصرار الشرطة على رفض إطلاق سراح الأبرياء؟ أليس هذا خرقا بحد ذاته وإنتهاكا جسيما للدستور يستوجب العقوبة في دولة القانون؟ وهل القانون في دولة القانون كما نعرفه جميعا الذي نص عليه الدستور؟ أم يقصد به (آلة القانون الموسيقية) المعروفة؟ ومنها جاءت تسمية دولة القانون التي يجيد المالكي العزف على أوتارها الفارسية المتهرئة؟
كان الله في عون المعتقلين العراقيين فأصواتهم لا تتجاوز حدود أسماع سجانيهم، وصداها لا يتعدى حاجز السجن! لقد أثبتت عملية الإعتقال والإلتفاف على تنفيذ أحكام القضاء حالات شاذة أولهما: عدم وجود فصل بين السلطات الثلاث كما يلزم الدستور، وإستهانة السلطة التنفيذية بالسلطة القضائية وعدم إحترام قراراتها، بل يمكن الجزم بأن السلطة التنفيذية إبتلعت السلطة القضائية بلا جرعة ماء. وثانيها: عدم إستقلالية القضاء وعجز السلطة القضائية عن فرض سلطانها على أجهزة الشرطة, وكلا الحالين أسوء من الآخر. ثالثهما: إن الخلل في النظام القضائي يعني غياب العدالة الإجتماعية وضياع حقوق المواطنين العراقيين قبل غيرهم، مما يستوجب تعديل آلية العمل القضائي برمته. ورابعهما: مافائدة الدستور وتشريع القوانين طالما ان الجهات المنفذة للقانون لا تحترم أحكام القضاء وتستحقره؟ أليس هذا الأمر يستدعي مطالبة السلطة القضائية للسلطة التنفيذية بضمان إحترام القضاء وتنفيذ الأحكام التي يصدرها بلا مراوغة أو إلتفاف؟ لكننا نهمس لسكان أشرف بأن القضاء العراقي أشبه بعاهرة تنام في أحضان المالكي وتتلقى أجرها عن كل عملية.
الغريب أن وزير الداخلية الذي نفخ البعض بالونه حتى ظهر أكبر من حجمه الطبيعي كبطل قومي ووطني خلال مأساة بنك الزوية- التي تكتم عن نتائجها ومن يقف ورائها- لم يكن له حيص أو بيص في كل تلك المعمعة، كأنه خارج اللعبة وليس أحد بيادقها؟ وأن كان حجته بأنه لا يتدخل في أمر القضاء فمن الأولى به أن يحترم قرار القاضي بإطلاق سراح المعتقلين سيما بعد ثبوت بطلان التهم الموجهة ضدهم! كما أن شرطة مدينة الخالص حيث سجن (الأشرفيون) خاضع لسلطان وزير الداخلية وليس لجهة أخرى لذلك فهو مسئول مباشر عن تلك المأساة! كما أن بطلان التهم الموجهة(للأشرفيين) يعني أن عملية إقتحام معسكر أشرف كانت فبركة وتلفيقات باطلة فلم يثبت ما يدينهم! وإلا لماذا قرر القاضي إطلاق سراحهم؟ ألا يستوجب ذلك معالجة تلك الإنتهاكات والتجاوزات القانونية وتعديل وإصلاح النظام القضائي، وكذلك حث المؤسسات الرسمية على أحترام الأحكام القانونية، إلا يستوجب ذلك من حكومة المالكي تقديم إعتذار رسمي عن الظلم الذي تعرض له سكان أشرف وتعويضهم عن الأضرار المادية والبشرية التي تكبدوها بلا ذنب. ومحاسبة رجال الأمن والشرطة عن الإنتهاكات التي مارسوها بحق المدنيين في معسكر أشرف سيما أن الإقتحام خلف قتلى وجرحى.
عملية إقتحام معسكر أشرف افرزت حالة غريبة من نوعها فالمعسكر تحميه قوات الإحتلال بموجب إتفاقية موقعة بين الطرفين, وسكوت الجانب الأمريكي عن خرق الحكومة العراقية للإتفاقية يحمل الكثير من الإحتمالات, أقلها أن الإقتحام جزء من صفقة سرية بين نظام الملالي في طهران وإدارة الإحتلال تم حسمها من فاتورة العراق الذي أصبح بنكا لتصفية الحسابات بين المودعين الأمريكان والإيرانيين. أو إن حكومة المالكي مددت الرقعة الإيرانية في العراق على حساب الرقعة الأمريكية, وهذا الأمر يعتبر مجازفة خطيرة من الصعب التكهن بتداعياتها المستقبلية, وهذا ماسيتضح خلال فرز نتائج الإنتخابات القادمة.
مع كل ما خلفته تلك المآسي الإنسانية فأن حكومة الذل ما تزال مصرة على إلحاق الأذى والتنكيل بالأشرفيين فبعد أن منعت عنهم زيارة الأطباء والحصول على الدواء لمعالجة ما خلفته تلك العملية الجبانة من جرحى ومعوقين، فأنها بدأت تحظر عليهم إدخال الوقود سيما أن الشتاء على الأبواب إضافة إلى حظر معظم المواد الغذائية من الدخول إلى المعسكر. والمصية أن هذه الأحزاب الحاكمة التي لا تخشى البشر لا تخشى الله فهي تحمل أسم الإسلام والإسلام منها بريء أخزاها الله دنيا وآخرة. ومن المؤسف أن قلة من الكتاب العراقيين يتعاطفون مع إنتهاكات الحكومة للاجئين الأشرفيين ويحاولون تبريرها بمزاعم شتى ما أنزل الله بها من سلطان! ومن هنا سنسألهم سؤال واحد يتطلب الصراحة والأمانة: هل سيكون هكذا موقفكم تجاه احدى الحكومات التي تحتضن حاليا عدد من اللاجئين العراقيين لومارست إتجاههم نفس هذا الأسلوب البربري؟
ربما تغاضت إدارة الإحتلال عن هذه الزلة المالكية(لاعلاقة للمذهب المالكي السمح بمذهب العمالة السمج)! لكنها هاجت كالكلب المسعور بعد أن تبين لها إن حكومة المالكي أكثر مطاوعة ومرونة مع الإحتلال الإيراني للعراق, لذلك ظهرت على الأفق ظواهر أزمة حانقة إثر أمتداد أذرع الأخطبوط الإيراني إلى أخطر جهاز في الدولة العراقية وهو المخابرات، ومحاولة سرقة كافة الملفات والوثائق والأقراص المدمجة المتعلقة بإيران من قبل الرئيس المؤقت للجهاز وهو أحد العملاء من (رهط الجهابذة من مستشاري المالكي). ولاشك أن هذه الحادثة ستجعل إدارة الإحتلال ـ على الأحوط ـ أما أن تعيد النظر في موقفها من التدخل إلايراني المتزايد والذي ظهر أكبر حجما من توقعاتها, وتبدأ بتقليم أظافر نظام الملالي في العراق. أو تعترف بفشلها في أختيار حكومة مناسبة للشعب العراقي فتقلب الطاولة على عملائها القدامى سيما ان ما لديها من وثائق وأقراص مدمجة عن فضائح المسئولين تجعل أرذل غانية وقواد أشرف بكثير منهم. أو أن الأمر ـ على الأرجح ـ لا يتجاوز مسرحية بإنتاج وإخراج إيراني أمريكي مشترك بطولة المالكي ووزرائه, يقتصر دخولها على الشعب العراقي الذي ألف التهريجات وأصبحت جزءا من حياته اليومية. والمستقبل القريب سيكشف الأعاجيب.
كلمة أخيرة لحكومة الذل( أتركوا غير العراقيين بسلام وأمان فكفاكم ما فعلتم بالعراقيين) والله من وراء القصد.
علي الكاش
نحن لا نرغب بأن نخيط أفواهنا بخيوط الباطل والتلبيد، ولا نربط ألسنتنا بحبال الكذب والتثبيط، ونحن نرى شعبنا يئن من البلاء على أيدي الأسافل والإراذل من المحتلين والمطايا العراقية الوافدة معهم، عملاء ينهشون جسد الأمة ويستلذون بلحم ابنائها ويتلمظون بدمائهم البريئة. أن السكوت عن هذه الجرائمم ابشع من خرس شيطان! فإظهار الحقائق واجبا شرعيا قبل أن يكون إلتزاما وطنيا ومبدأ أخلاقيا. والشعب لا يحتاج إلى مواساة كي نواسيه عن جراحه القاتلة سيما إننا نعرف أي دواء يسكن آلامه ويضمن شفائه. من المؤكد أن الحكومة غير البارة مع شعبها لا يمكن أن تكون بارة مع غير مواطنيها الذين يخضعون لسلطانها, لذلك شهدنا مأساة أخواننا الفلسطينيين الذي كانوا قرابين نحرتها ميليشيات الحكومة بلا رحمة على مذبح العراق الديمقراطي الجديد. ولربما كانت الجريمة بحقهم لا تقل بشاعة عن جريمة الصهاينة بحق الفلسطينيين في غزة، لكن المجرمين هذه المرة أشقائهم كما يفترض يجمعهم الدين و القومية والتأريخ المشرك ووحدة التراب والمصير، لذلك كانت الجريمة اشد بلاءا ووقعا عليهم. ولكن ما يثير الإستغراب فعلا قيام بعض الفلسطينيين بصب جام غضبهم على القوى الوطنية العراقية الرافضة للإحتلال، ويدافعون بإستماته على العملية السياسية الجارية في ظل الإحتلال الأمريكي الإيراني الإسرائيلي ويبررون التدخل الإيراني في شؤون العراق متناسين معاناة اشقائهم الفلسطينيين في العراق، وقلوب العراقيين التي ماتزال تنبض بحب فلسطين والفلسطينيين! أنهم يتجاهلون أن بعض أشقائهم ما زالوا عالقين على الحدود العراقية الأردنية يعيشون عيشة البراري بعد أن شردتهم ميليشيات الحكومة وجردتهم من كل ما يملكون وتركتهم في الصحراء فريسة للضباع والفقر والمرض ينتظرون رحمة المفوضية العليا للاجئين منذ ثلاث سنوات! عندما يتجاهل شعب ما مستقل ويعيش بسلم وأمان مأساة شعب آخر محتل فتلك مصيبة إنسانية وأخلاقية. لكن عندما يتجاهل شعب محتل مأساة شعب آخر محتل مثله ويعيش نفس مأساته فتلك لعمري كارثة! فكيف وهو شعب شقيق كما يفترض قدم الكثير من المساعدات والتضحيات لنصرة القضية الفلسطينية؟
من البديهي أن من يتعامل مع أشقائه في الدين والقومية والعروبة بتلك الوحشية، سيكون أكثر همجية وعدوانية مع من يتآخى معه في الدين ويختلف معه في القومية وعناصر الأخاء الأخرى! وهكذا كان الحال مع سكان معسكر أشرف الذي يضم عددا من المدنيين مع عوائلهم كفلت المواثيق الدولية حماية حقوقهم كلاجئين في العراق، ووعدت إدارة الإحتلال بل تعهدت بأمنهم وسلامتهم مقابل نزع أسلحتهم الموجهة ضد ملالي الشر في إيران! فوافقوا بلا تردد، ولم يدور بخلدهم ان هذه الطغمة الإحتلالية الباغية التي تعلن الشر لحكم الملالي، تبطن لهم كل الود والعرفان بالجميل في تعاونهم معها لإحتلال إفغانسان والعراق, فجلد الأفعى الجميل وملمسها اللين لا يعبر عن السموم التي فيها.
لم تتعامل منظمة مجاهدي خلق مع الموضوع كصفقة تجارية مطلقا( نزع السلاح مقابل الأمن والسلام لسكان المعسكر) وإنما تعاملت معه بروح إيجابية عالية منطلقة من وضعها كضيف عزيزعلى الشعب العراقي يسوجب منها الإلتزام بآداب الضيافة وتجنب تجاوز الحدود هذا من جهة، وتماشيا مع الأوضاع الجديدة في العراق التي أفرزها الإحتلال ومنها حكومة لا يؤتمن جانبها تقف على مفرقي الطرق بين الشيطان الأكبر(أمريكا) والشيطان الأصغر(إيران) من جهة ثانية. تلك الأوضاع رتبت على مجاهدي خلق مسئوليات وإلتزامات جديدة وتحديات شاقة تستلزم المزيد من الصبر والتحمل والتضحيات ليس على مستوى المنظمة بشكل عام بل على عموم سكان اشرف كبارهم وصغارهم رجالهم ونسائهم.
مضت العملية البربرية التي قامت بها حكومة المالكي حسب توجيهات ملالي طهران وبمشاركة الحرس الثوري الإيراني وظهيره فيلق بدر في أجواء هادئة ومثير للشكوك. في الوقت الذي كان الرأي العام العراقي والعربي والدولي في غفوة عميقة لا يسمع سوى شخيرها, بإسثناء أصوات متفرقة هنا وهناك محسوبة على النظام الوطني السابق! رغم وحشية العملية التي كشفت عن الأفلاس الأخلاقي والإنساني لحكومة المالكي ونفاق الشيطان الأكبر! لكن المراقب لتصريحات المسئولين العراقيين سيما أصحاب الأفواه العراقية والألسن الإيرانية لا يستبعد مطلقا هذه المأساة البشرية! فقد كانت التصريحات المعادية لوجود منظمة مجاهدي خلق غالبا ما تقترن بتهديدات صريحة أو مبطنة, من قبل الكتل السياسية الحاكمة الموالية لنظام الملالي, وصاحبتها إعتداءات مشينة من قبل الحكومة وميليشياتها لا تختلف عن أعمال قطاع الطرق ومافيا الإجرام, أثبتت الحكومة بكل جدارة أنها خادم ذليل لحكام طهران وملتزمة بالطاعة العمياء لأوامرها على حساب كل القيم الإسلامية والوطينة والقومية والأخلاقية.
أما اللاعب الأمريكي المتسلل فقد إنسحب من الملعب وتوجه إلى مقاعد المتفرجين ورغم إنه لم يصفق للفريق الفائز الذي كان يلعب على أرضه بكامل فريقه، لكنه كان مرتاحا في سريرته لتلك النتيجة المثيرة في موقف يثير الريبة والحيرة! إنتهت مؤامرة المالكي بإعتقال (36) من ضيوف العراق الأبرياء، وكانت أصول الضيافة لا تختلف كثيرا عن ضيافة السجناء العراقيين بإسثناء الإغتصاب الجنسي! ولم تكن تلك إلتفاتة كريمة من حكومة المالكي أو مكرمة سخية لسكان أشرف لم يتمتع بها السجناء العراقيون، لكنه أدرك جيدا بأن الفضيحة هذه المرة ستكون بجلاجل وتكشف المستور.
لم تنفع الأصوات في داخل وخارج العراق لأقناع المالكي بأطلاق سراح المعتقلين، فالقيود الإيرانية الضاغطة تعيق مثل تلك الحركة وتدمي أيدي من يقوم به، وكانت أصوات المنظمات الدولية بما فيها منظمة العفو الدولية والعديد من الشخصيات الدولية السياسية والدينية والقانونية بلا صدى ولم تشكل ضغطا على المالكي ليستجيب نداء العقل والإنسانية. فالرجل يعلم أن مصيره في الأرض(معظم مستشاريه من الفرس) والسماء ( طاقم طيارته الإيرانية الخاصة جميعهم فرس) بيد ملالي طهران.
لابد من التنويه بأننا نحترم القانون في دولة القانون (كما يسميها المالكي) ولكن هل فعلا العراق الجديد هو دولة القانون؟ إنها نكتة بلا شك! فحكومة المالكي آخر من يتكلم عن القانون! ولنتساءل كيف يكون الموقف عندما لا تحترم السلطة التنفيذية السلطة القضائية وتستهين بقراراتها؟ وكذلك عندما ترفض أداة القانون(الشرطة) تنفيذ حكم القانون(سلطة القضاء)! في غضون إقرار القضاء بإطلاق سراح السجناء لبطلان التهم الموجهة إليهم بمعنى أنهم أبرياء ومن حقهم ان يقيموا دعوى على المالكي ووزيري الدفاع والداخلية وزعيم فيلق بدر هادي العامري ويطالبون بتعويضات عن الأضرار البشرية والمادية والمعنوية التي لحقت بهم؟
ماذا نسمي إصرار الشرطة على رفض إطلاق سراح الأبرياء؟ أليس هذا خرقا بحد ذاته وإنتهاكا جسيما للدستور يستوجب العقوبة في دولة القانون؟ وهل القانون في دولة القانون كما نعرفه جميعا الذي نص عليه الدستور؟ أم يقصد به (آلة القانون الموسيقية) المعروفة؟ ومنها جاءت تسمية دولة القانون التي يجيد المالكي العزف على أوتارها الفارسية المتهرئة؟
كان الله في عون المعتقلين العراقيين فأصواتهم لا تتجاوز حدود أسماع سجانيهم، وصداها لا يتعدى حاجز السجن! لقد أثبتت عملية الإعتقال والإلتفاف على تنفيذ أحكام القضاء حالات شاذة أولهما: عدم وجود فصل بين السلطات الثلاث كما يلزم الدستور، وإستهانة السلطة التنفيذية بالسلطة القضائية وعدم إحترام قراراتها، بل يمكن الجزم بأن السلطة التنفيذية إبتلعت السلطة القضائية بلا جرعة ماء. وثانيها: عدم إستقلالية القضاء وعجز السلطة القضائية عن فرض سلطانها على أجهزة الشرطة, وكلا الحالين أسوء من الآخر. ثالثهما: إن الخلل في النظام القضائي يعني غياب العدالة الإجتماعية وضياع حقوق المواطنين العراقيين قبل غيرهم، مما يستوجب تعديل آلية العمل القضائي برمته. ورابعهما: مافائدة الدستور وتشريع القوانين طالما ان الجهات المنفذة للقانون لا تحترم أحكام القضاء وتستحقره؟ أليس هذا الأمر يستدعي مطالبة السلطة القضائية للسلطة التنفيذية بضمان إحترام القضاء وتنفيذ الأحكام التي يصدرها بلا مراوغة أو إلتفاف؟ لكننا نهمس لسكان أشرف بأن القضاء العراقي أشبه بعاهرة تنام في أحضان المالكي وتتلقى أجرها عن كل عملية.
الغريب أن وزير الداخلية الذي نفخ البعض بالونه حتى ظهر أكبر من حجمه الطبيعي كبطل قومي ووطني خلال مأساة بنك الزوية- التي تكتم عن نتائجها ومن يقف ورائها- لم يكن له حيص أو بيص في كل تلك المعمعة، كأنه خارج اللعبة وليس أحد بيادقها؟ وأن كان حجته بأنه لا يتدخل في أمر القضاء فمن الأولى به أن يحترم قرار القاضي بإطلاق سراح المعتقلين سيما بعد ثبوت بطلان التهم الموجهة ضدهم! كما أن شرطة مدينة الخالص حيث سجن (الأشرفيون) خاضع لسلطان وزير الداخلية وليس لجهة أخرى لذلك فهو مسئول مباشر عن تلك المأساة! كما أن بطلان التهم الموجهة(للأشرفيين) يعني أن عملية إقتحام معسكر أشرف كانت فبركة وتلفيقات باطلة فلم يثبت ما يدينهم! وإلا لماذا قرر القاضي إطلاق سراحهم؟ ألا يستوجب ذلك معالجة تلك الإنتهاكات والتجاوزات القانونية وتعديل وإصلاح النظام القضائي، وكذلك حث المؤسسات الرسمية على أحترام الأحكام القانونية، إلا يستوجب ذلك من حكومة المالكي تقديم إعتذار رسمي عن الظلم الذي تعرض له سكان أشرف وتعويضهم عن الأضرار المادية والبشرية التي تكبدوها بلا ذنب. ومحاسبة رجال الأمن والشرطة عن الإنتهاكات التي مارسوها بحق المدنيين في معسكر أشرف سيما أن الإقتحام خلف قتلى وجرحى.
عملية إقتحام معسكر أشرف افرزت حالة غريبة من نوعها فالمعسكر تحميه قوات الإحتلال بموجب إتفاقية موقعة بين الطرفين, وسكوت الجانب الأمريكي عن خرق الحكومة العراقية للإتفاقية يحمل الكثير من الإحتمالات, أقلها أن الإقتحام جزء من صفقة سرية بين نظام الملالي في طهران وإدارة الإحتلال تم حسمها من فاتورة العراق الذي أصبح بنكا لتصفية الحسابات بين المودعين الأمريكان والإيرانيين. أو إن حكومة المالكي مددت الرقعة الإيرانية في العراق على حساب الرقعة الأمريكية, وهذا الأمر يعتبر مجازفة خطيرة من الصعب التكهن بتداعياتها المستقبلية, وهذا ماسيتضح خلال فرز نتائج الإنتخابات القادمة.
مع كل ما خلفته تلك المآسي الإنسانية فأن حكومة الذل ما تزال مصرة على إلحاق الأذى والتنكيل بالأشرفيين فبعد أن منعت عنهم زيارة الأطباء والحصول على الدواء لمعالجة ما خلفته تلك العملية الجبانة من جرحى ومعوقين، فأنها بدأت تحظر عليهم إدخال الوقود سيما أن الشتاء على الأبواب إضافة إلى حظر معظم المواد الغذائية من الدخول إلى المعسكر. والمصية أن هذه الأحزاب الحاكمة التي لا تخشى البشر لا تخشى الله فهي تحمل أسم الإسلام والإسلام منها بريء أخزاها الله دنيا وآخرة. ومن المؤسف أن قلة من الكتاب العراقيين يتعاطفون مع إنتهاكات الحكومة للاجئين الأشرفيين ويحاولون تبريرها بمزاعم شتى ما أنزل الله بها من سلطان! ومن هنا سنسألهم سؤال واحد يتطلب الصراحة والأمانة: هل سيكون هكذا موقفكم تجاه احدى الحكومات التي تحتضن حاليا عدد من اللاجئين العراقيين لومارست إتجاههم نفس هذا الأسلوب البربري؟
ربما تغاضت إدارة الإحتلال عن هذه الزلة المالكية(لاعلاقة للمذهب المالكي السمح بمذهب العمالة السمج)! لكنها هاجت كالكلب المسعور بعد أن تبين لها إن حكومة المالكي أكثر مطاوعة ومرونة مع الإحتلال الإيراني للعراق, لذلك ظهرت على الأفق ظواهر أزمة حانقة إثر أمتداد أذرع الأخطبوط الإيراني إلى أخطر جهاز في الدولة العراقية وهو المخابرات، ومحاولة سرقة كافة الملفات والوثائق والأقراص المدمجة المتعلقة بإيران من قبل الرئيس المؤقت للجهاز وهو أحد العملاء من (رهط الجهابذة من مستشاري المالكي). ولاشك أن هذه الحادثة ستجعل إدارة الإحتلال ـ على الأحوط ـ أما أن تعيد النظر في موقفها من التدخل إلايراني المتزايد والذي ظهر أكبر حجما من توقعاتها, وتبدأ بتقليم أظافر نظام الملالي في العراق. أو تعترف بفشلها في أختيار حكومة مناسبة للشعب العراقي فتقلب الطاولة على عملائها القدامى سيما ان ما لديها من وثائق وأقراص مدمجة عن فضائح المسئولين تجعل أرذل غانية وقواد أشرف بكثير منهم. أو أن الأمر ـ على الأرجح ـ لا يتجاوز مسرحية بإنتاج وإخراج إيراني أمريكي مشترك بطولة المالكي ووزرائه, يقتصر دخولها على الشعب العراقي الذي ألف التهريجات وأصبحت جزءا من حياته اليومية. والمستقبل القريب سيكشف الأعاجيب.
كلمة أخيرة لحكومة الذل( أتركوا غير العراقيين بسلام وأمان فكفاكم ما فعلتم بالعراقيين) والله من وراء القصد.
علي الكاش








