صافي الياسري: اختار القادة العسكريون في منظمة مجاهدي خلق ابان الحرب العراقية الايرانية، هذه الرقعة الجغرافية التي هي الان مدينة اشرف على وفق حسابات عسكرية دقيقة، فهي اولاً مثابة على الغرب الايراني لا تبعد عن الحدود الايرانية العراقية سوى70 كلم ولهذا البعد حساباته في الحركة وفي الامن كما انها تبعد عن اقرب مدينة عراقية (الخالص) حوالي 28كلم، وتشغل منطقة صحراوية قفر، تسهل عملية مراقبة ما حولها واكتشاف اية عملية تسلل او اقتراب عدوانية منها، واتخذت معسكرًا للتدريب والايواء وللعمليات اللوجستية الاخرى وهي الى ذلك محور جغرافي مهم لعدة معسكرات اخرى للمنظمة في الشمال والوسط العراقي وقد فشلت كل محاولات النظام الايراني في الاقتراب من هذا المعسكر، فقد كان مؤمناً من الخارج كما كان مؤمنا من الداخل بالكيرفات والخنادق والمزاغل وما الى ذلك من وسائل الحماية المتعارف عليها في العقائد الدفاعية العسكرية،
وبعد ان فقدت منظمة مجاهدي خلق كل وسائل حمايتها بعد الاحتلال الاميركي، وتحول المعسكر الى مستوطنة مدنية منزوعة السلاح، وبرغم تولي الاميركان مسؤولية حماية المدينة، لم تعد للكيرفات والخنادق والمزاغل والاسلاك الشائكة حتى، قيمتها الامنية الفعلية الحقيقية، فقد انقلبت الصفحة والصفة العسكرية للمعسكر وباتت نظريات وعقائد وخرائط الدفاع العسكري وخططه والحماية بالقوة المسلحة الخاصة امرًا في (خبر كان) وقد تحول المعسكر الى مدينة مدنية لا بد لها من وسائل دفاع اخرى مبتكرة فضلاً على الحماية التي تقدمها القوات الاميركية، فلم تكن هذه الحماية وحدها في الحقيقة كافية، فقد قصفت اثناءها المدينة بالصواريخ وتم تفجير محطة تزويدها بالمياه، لذلك كان لابد من وسيلة اخرى لها فاعليتها الجدية لضمان امن المدينة، وعندها نهضت فكرة الحلقة الجغرافية السكانية المحيطة كطوق امين، فبدأت عمليات الاتصال بالسكان في الجوار، وكسبهم الى جانب المدينة بالتفاهم والحوار وتقديم الخدمات المتيسرة التي تمكنت منها المدينة برغم عسر ظروفها، فقد قدمت الخدمات الصحية في اعسر الاوقات حين كانت منطقة محافظة ديالى كلها تخضع لعصابات الارهاب وفرق الموت وحروبها وضحاياها، وحين اغلقت مستشفيات ومستوصفات بعقوبة واقضيتها ونواحيها بل باتت حتى امور النقل والتنقل وصولاً الى ما تبقى من مستشفيات ومستوصفات كانت تحت الحماية الاميركية في بعقوبة واماكن اخرى غاية في الصعوبة ان لم تكن مستحيلة وهنا ادت المدينة واجبها في فتح مستوصف امن لمعالجة المصابين الناجمة اصاباتهم عن العمليات الارهابية والمرضى الاخرين من كبار السن والنساء والاطفال بكوادرها الخاصة التي كانت تعمل 24 ساعة في اليوم وتقدم لهم العلاج العزيز الذي كانت تحصل عليه بثمن باهض من السوق السوداء، وقد حفظ السكان لمدينة اشرف هذا الدور وفاءاً وتقديراً وكان المقابل دون كلام ولا نقاش ولا طلب هو تامين الجوار لصالح المدينة ومنع تغلغل العصابات الارهابية الممولة او المسنودة او المدفوعة من قبل النظام الايراني، على طول منطقة الطريق الاستراتيجي الذي يربط بين بعقوبة وكركوك او كل شمال العراق بدءًا من بعقوبة ومرورًا بالخالص وناحية العظيم وناحية سليمان بك وصولاً الى طوز خورماتو وهي مسافة وعمق استراتيجي امني مهم جداً ومتسع وبعيد الغور، وقامت بين المنظمة وعشائر المنطقة كالعزة وشمر والجبور والندا وغيرها من العشائر الكبيرة الفاعلة القوية علاقات صداقة وتضامن ودعم استمرت تقوى وتتمتن بمرور الايام، وبات ابناء هذه العشائر اشبه بحراس للطوق الامني الجغرافي حول المدينة، كما كنا نراهم يشاركون المدينة افراحها في مناسباتها الوطنية والتاريخية وفضلاً على ذلك، ولان المدينة قائمة اصلاً في منطقة صحراوية بدأت مزارعها وحقولها تعاني امر المعاناة من جفاف ابارها التي كانت تعتمد عليها في الري والشرب واحتياجاتها الاخرى الامر الذي دفع الكثير من الفلاحين والقرويين الى الهجرة، ولان لدى اشرف محطة ضخ تزودها بمياه الشرب من دجلة قريباً من سامراء، قامت بتزويد القرى والحقول والمزارع المحيطة بمياه الشرب والري من هذه المحطة مجاناً، ونصبت حنفية كبيرة على مدخلها بعد ان منع الدخول اليها، كنت ترى الصهاريج و(التانكرات) التابعة للفلاحين وابناء القرى المجاورة تتزود منها بالماء بلا حساب، فلحافظت على التركيبة السكانية في المنطقة ونمط حياتها الاقتصادي، وبذلك باتت مدينة اشرف في المنطقة (ضرورة حياتية) لجميع من حولها، كل هذا حدث في وقت غابت فيه اجهزة الحكومة العراقية عن تقديم خدماتها للمنطقة، ولم يفكر النظام الايراني الا بضخ الاسلحة والمتفجرات والعملاء وفرق الموت الى المنطقة لزعزعة الوضع الامني فيها، الامر الذي زاد من تلاحم سكان مدينة اشرف وسكان عموم صحراء العظيم امتدادًا من بعقوبة كما ذكرت وصولاً الى طوزخورماتو، ومن حول اشرف فضلاً على كل ذلك يعدون سكانها الذين عاشروهم اكثر من عشرين عاما ضيوفهم، وعلى وفق التقاليد العربية فان ابسط حقوق الضيف هي الحماية، وهم لا يفكرون ابداً بالسماح لاية جهة ان تمس المدينة او سكانها بسوء، وهذا ما يتوجب على السياسي العراقي وهو يتعامل مع قضية مدينة اشرف ان يدركه وياخذه بالحسبان، وكذلك هو ما يتوجب على الحكومة العراقية نزولاً عند موقف الراي العام واستجابة للارادة الشعبية العامة.








