المحامي سفيان عباس: الرأي العام من الناحية القانونية صانع لمجمل القرارات السياسية والإستراتيجية ويلعب دورا محوريا في التغيير والتأثير لمجريات الأحداث المحلية والدولية ولديه الوسائل الفاعلة لتحقيق أهدافه المشروعة . فالرأي العام إذن قوة ضاغطة على الحكومات التي تتجاهل مطالب الجماهير او أنها تتخذ قرارات خارج السلطات التشريعية بالطرق الدكتاتورية ما يولد ردود أفعال شعبية ينتج عنها الغضب العام، وما ينطبق في هذا التوصيف القانوني على المحيط الداخلي للدولة ينسحب بالضرورة إلى الساحة الدولية. والسؤال الذي يطرح نفسه إذا كان الشعب مصدر السلطات لماذا الحكومات تتجاهل هذه الحقيقة؟ إن الأنظمة الشمولية او السلطات العسكرية المهيمنة بالقوة على صناعة القرار التي تتخذ من الهيئات البرلمانية غطاء تضليلي تحتل الصدارة في عدم الاستجابة لرغبات شعوبها، لقد استطاعت شعوب عديدة من إسقاط الحكومات وتغيير مسارات الاستراتيجيات كما حصل إبان الثورة الفرنسية وفي أوكرانيا وجورجيا والمجر والأرجنتين من بعد.
فالإمكانيات المتاحة لدى الجماهير تكفي وحدها لقلب الموازين وتعطيل او تعديل الاتجاهات الخاطئة للحكومات وقد تتباين حدة التأثير من دولة لأخرى. فالدول المجسدة للعمل الديمقراطي والعريقة في هذا النهج سرعان ما تستجيب لتطلعات الرأي العام على عكس الدول الغارقة بالمفاهيم الاستحواذية للسلطة فقط ما يجعلها فاقدة لماهية الإذعان او الرضوخ للشعب. ولهذا نرها تتعرض للضغوط الشعبية عن طريق الأساليب المعروفة التي تختارها الجماهير تعبيراً عن رفضها للسياسات المتقاطعة مع طموحاتها ومنها محاولة زعزعة أركان النظام العام والامتناع عن تطبيق القوانين والأوامر الصادرة عن الحكومة او دعم القوى السياسية المعارضة بالداخل او الخارج لغرض إسقاطها. وما يحدث اليوم في إيران من مظاهرات واحتجاجات عمت المدن كافة يعد النموذج الأكثر رواجا وقبولا وسط الرأي العام العالمي وبالمقابل على الطرف الأخر تعد الحكومة العراقية الاسوء من بين دول العالم التي تغض الطرف عن رغبات الشعب وهمومه واحتجاجاته ومعارضته لقراراتها المبنية على الاعتبارات الطائفية البحتة. وما تشهده الساحة الدولية هذه الأيام من مظاهر الاعتصام الذي تنفذه الجاليات الإيرانية في الخارج احتجاجا على تسليم الحماية لمعسكر اشرف إلى القوات العراقية واحتمال وقوع كارثة إنسانية بسبب وضع هذه القوات وعدم جاهزيتها إضافة الى تغلغل عناصر جيش القدس التابع لنظام الحكم الإيراني في اغلب مؤسستها، فقد شهدت مقرات الأمم المتحدة في جنيف ونيويورك أضخم تلك الاعتصامات الاحتجاجية ضد سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه المعارضة الإيرانية في العراق، ومن الواضح أنها أنتجت أثرها حول القرار المذكور ليس عند الجانب العراقي وإنما لدى الأوساط الأمريكية الفاعلة والمهيمنة على القرار الاستراتيجي وخاصة أعضاء الكون كرس وشخصيات بارزة ومؤثرة في المجتمع أمثال البروفسور (تانتر) عضو مجلس الأمن القومي السابق، كما أثمرت جهود الجاليات الإيرانية في الخارج عن ردة فعل إنسانية قل نظيرها من فضيلة الشيخ الطنطاوي مفتي الأزهر في جمهورية مصر العربية عندما أعلن سماحته صراحة رفضه المطلق اهانة كرامة الإنسان من سكان اشرف تحت أية حجة او ظرف وان دل هذا على شيء فأنه يعبر عن مدى قوة تأثير الرأي العام لان شخصية دينية فذة مثل سماحة الطنطاوي يخص بالاسم سكان اشرف تؤشر دلالاته على عدالة قضية ونصرة مظلوم وحماقة الخصوم وتهور أولي الأمر فينا وتعطشهم للبطش الإنساني بلا رحمة. يبدو إن السبات حليف الجماهير العراقية التي غابت عن سوحي الوغى المشهود لها ولم تعد كما كانت على عهد الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي حيث أثبتت حينها صاحبة الفصل واليد الطولى في تغيير الاعوجاج الحكومي؟؟؟








