العرب اليوم:ها قد حدث ما توقعناه , وبأسرع مما توقعناه : الانشقاق الشيعي ـ الشيعي في العراق, بين الجماهير الوطنية الكادحة وبين الأحزاب المذهبية الموالية للمخابرات الإيرانية والاحتلال, وضع طهران أمام اختيار حاسم . وهي اختارت بسرعة , ربما تحت الضغط , الاصطفاف الصريح إلى جانب المحتلين وعمليتهم السياسية وحكومتهم ومليشياتها.
وفي تصريحات كسرت الصمت الإيراني الرسمي حول التطورات الأخيرة في العراق, وصف الناطق باسم الخارجية الإيرانية , محمد علي حسيني, هجمات المقاومة العراقية على " المنطقة الخضراء" في بغداد, بأنها " عمل مدان بشدة" .
وفي انحياز صريح لرئيس الحكومة العراقية , نوري المالكي, قال حسيني إن العمليات العسكرية التي تشنها حكومة المالكي, بدعم من الاحتلال الامريكي, ضد مقاتلي المقاومة في البصرة ومحافظات الجنوب ومدينة الثورة في بغداد , هي " إجراءات قانونية بهدف فرض الأمن والاستقرار", لكنه " أمل أن تقوم القوات المحتلة بتسليم الحكومة والقوات العراقية, مهمة إدارة البلاد بالكامل , تخفيفا للأزمة " أي منح إيران وحلفائها , الحق الحصري في قمع الشعب العراقي ومقاومته, من دون الحرج الناشئ عن مشاركة المحتلين في المذابح .
أما سكرتير المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني, سعيد جليلي, فقد أكد , لدى استقباله رسول الائتلاف الشيعي المتعاون مع الاحتلال الامريكي, إبراهيم الجعفري,أن " أمن العراق هو أمن إيران" , في إشارة إلى التحالف بين الحكومتين ضد المقاومة العراقية. وشدد جليلي على أن " إيران لن تتوانى عن بذل أي جهد للمساعدة على الحفاظ على أمن العراق " قاصدا, بالطبع, حكومة المحاصصة الطائفية التابعة للمحتلين.
وهكذا, تكون إيران قد خرجت من المنطقة الرمادية في سياستها العراقية, كاشفة , بصورة نهائية , عن وجهها القبيح , باعتبارها طرفا أساسيا في جبهة أعداء الشعب العراقي ووحدته واستقلاله ونهضته. فهي لا تؤيد الشيعة أو مشروعا شيعيا في العراق, كما كان يتوهم الكثير من أصدقائها وأعدائها, بحيث أنها تقف , كما قيل لنا تكرارا , مع الشيعة بغض النظر عن موقفهم السياسي. أنها تقف مع شيعتها وليس مع الشيعة, ومع القوى التي تسعى إلى تقسيم العراق ونهبه وإضعافه , وليس مع الشيعة الوطنيين المعادين للاحتلال, بل هي مستعدة للانقلاب إلى وحش ضد الجماهير الشيعية الوطنية , مما ينسف إدعاءاتها الدينية والمذهبية, ويكشف سياساتها باعتبارها سياسات قومية, ليس إلا.
نحن لم ندهش من ذلك , بل نعتبر هذه المواقف , محصلة الإستراتيجية الإيرانية إزاء العراق , والتي تقوم على الآتي:
أولا, أن العدو الإقليمي الأول لإيران , يتمثل في الدولة الوطنية العراقية. فهذه الدولة , بالذات, هي المنافس الإقليمي الرئيسي , بل الوحيد الممكن لإيران, والحجاب الذي يحول بينها وبين بسط سيطرتها على الخليج العربي,
ثانيا, وعليه, فإن إيران لا تريد, وليس من مصلحتها الإستراتيجية, أن يتوحد العراق, أو يقوى , أو يطور دولته الوطنية. وتتوضح , بذلك, دوافع السياسات الإيرانية المتواطئة مع المحتلين, والمحرضة على الانقسام المذهبي بين العراقيين , والعدائية إزاء أية قوة عراقية وطنية مستقلة عن نفوذها, خصوصا إذا كانت شيعية. وسنلاحظ , هنا, أن إيران كانت تدعم , بكل قواها, "جيش المهدي" , عندما كانت تسيطر عليه مجموعات مذهبية إجرامية أو مجموعات مخترقة من المخابرات الإيرانية, لكنها , عندما بدأ " جيش المهدي" بالتحول , تحت الضغوط الجماهيرية, إلى قوة مقاومة, فإنها , أي إيران, سرعان ما اعتبرته خارج القانون,
ثالثا, أن العراق هو التكوين العربي الوحيد الذي يمثل تحديا حضاريا ثقافيا لإيران والتشيع الإيراني. فالعراق بلد ذو أغلبية شيعية وطنية لها تراثها الثقافي والفقهي الخاص بها , وهي أصل التشيع كله , لا فرع منه . وبالتالي, فإنه من المستحيل أن يكون التشيع العراقي تابعا لإمبراطورية إيرانية قيد الإنجاز. بالعكس, يمكن للدولة الوطنية العراقية المستقلة التي يحصل فيها المكوّن الشيعي على حضوره الكامل, أن تكون مركز استقطاب مضاد لإيران, يتحلق حوله الشيعة العرب في بلاد الشام والجزيرة العربية.
لا ينفي كل ذلك أن إيران معادية " لإسرائيل" , بوصفها , أيضا, قوة إقليمية منافسة, لكن عداءها الأول يظل متجها صوب العراق , القوة الأخطر على خطط الإمبراطورية الإقليمية الإيرانية.
على الوطنيين العرب, بالتأكيد, تشجيع الصراع الإيراني ـ " الإسرائيلي" , لكن من دون التفريط , لحظة واحدة, بالمصالح الإستراتيجية العراقية, بما في ذلك خوض الصراع الصريح ضد الإيرانيين في هذا البلد العربي المركزي, ليس في صفوف الامريكيين, وإنما ضد التواطؤ الامريكي ـ الإيراني بمجمله.0








