مهى عون :عناوين عدة حملتها الرسائل التي أطلقتها زيارة أحمدي نجاد إلى بغداد. منها ما له علاقة بالداخل العراقي, ومنها الآخر استهدف الداخل الإيراني , ومنها أيضاً وجهت للعالم العربي, كما الغربي, والأميركي على وجه التحديد, من دون أن ننسى الرسالة الواضحة للأمم المتحدة التي دأبت في الآونة الأخيرة على تشديد العقوبات على إيران .
وإذ تأتي هذه الزيارة بعد ثلاثة عقود من المقاطعة, أي منذ انتصار الثورة الإيرانية سنة 1979, وبعد حرب طاحنة بين البلدين دامت ثماني سنوات (1980 – 1988), وأوقعت أكثر من مليون قتيل, جاء وصف الرئيس جلال طالباني لها بالتاريخية. قد تكون تاريخية من منظار الرئيس العراقي من ناحية تاريخ الحدث بحد ذاته, ولكنها لم تكن تاريخية من الناحية المعنوية بالنسبة لشريحة واسعة من العراقيين التي لم ترَ فيها سوى استهتار بحقوق العراقيين, وتحدٍّ لمواقفهم الشاجبة لتمادي عبث الميليشيات التابعة لحرس الثورة الإيراني بالداخل العراقي. ولقد عبر عن هذه المواقف الحانقة والغاضبة "أمين جبهة كركوك العراقية" أحمد حميد ألعبيدي, إذ قال حرفياً "نشهد زيارة حفيد كسرى إلى بغداد", وسأل: "هل يقبل الإيرانيون أن نساند مواقف العرب بالأهواز وندعمهم". لذا قد يجوز القول أن هذه الزيارة تحمل أكثر من رسالة بالنسبة للداخل العراقي.أولها جاء كعربون دعم لحكومة المالكي, وللطائفة الشيعية بشكل عام, وثانيها أخذ شكل رسالة تحد لمشاعر الطائفة السنية, ولأهالي مناطق عديدة مثل الفلوجة والأعظمية ذات الأغلبية السنية, التي عبرت عن شديد سخطها وغضبها بمظاهرات حاشدة, نددت بهذه الزيارة واستنكرت حصولها والدماء شلالات على أرض العراق.
أما بالنسبة للداخل الإيراني فالزيارة تأخذ أهميتها لحدوثها عشية الانتخابات البرلمانية المتوقع حصولها اليوم, كونها تشكل دعماً للحملة التي يقودها حزب المحافظين والإصلاحيين برئاسة المرشد الأعلى للثورة الإسلامية آية الله خامنئي, والتي يرعاها الرئيس أحمدي نجاد. وقد يكون في مقدمة أهداف الرئيس نجاد من هذه الزيارة تسليط الأضواء على مدى نجاحه في مد وتثبيت الهيمنة الإيرانية على الداخل العراقي, حتى يتمكن من قطف ثمار هذا الانجاز في هذه الانتخابات. والجدير بالذكر أن الرئيس أحمدي نجاد يهدف عبر هذه الزيارة إلى دحض صورة الدولة "المستأسدة" عن إيران, والتي ترسمها الولايات المتحدة لها في الحافل الدولية وعبر العالم العربي . وما إعلانه عن استعداد إيران لإبرام اتفاقيات تعاون مع العراق في ميادين شتى, ناهيك بالتقديمات والإغراءات المادية التي وعد بها الرئيس العراقي سوى من باب تكذيب هذا الاتهام, ومن باب ذر الرماد في العيون, وتصب في الهدف التمويهي ذاته. وهو تصرف يدل على مدى ترسخ النفوذ الإيراني في العراق. ممارسة في التعامل لا تخلو من الدهاء إذ تكتنفها ديماغوجية متعمدة تذكرنا بمعاهدات "الأخوة والتفاهم" وغيرها من اتفاقيات "وحدة المسار والمصير", بين لبنان وسورية, والتي لم يتم إعلانها سورياً إلا بعد أن أحكم الاحتلال السوري قبضته على الداخل اللبناني ولا سيما السياسي منه. شعارات تمويهية لطيفة وجذابة, ُتعتمد عادة من قبل الغزاة, لطمأنة الشعوب المحتلة ولتهدئتها. ولقد وردت في كتب التاريخ القديم والحديث, حيث تصدرت خطب الغزاة, لتبرير هيمنتهم واحتلالهم لا أكثر ولا أقل.
أما الرسالة المنوي إيصالها للاحتلال الأميركي فهي واضحة وتختصر بأن العراق بات الحديقة الخلفية لإيران بالرغم من أنف الولايات المتحدة, التي تتواجد على أرض العراق بواسطة 160 ألف جندي. وأنه يمكن لرئيس إيران أن يقرر المجيء إلى العاصمة بغداد متى يشاء, ويدخل المنطقة الخضراء,التي هي في الواقع تحت سيطرة القوات الأميركية. وهو في قوله أنه مسرور بالقدوم إلى بغداد في غياب الديكتاتور, يغيب عن قصد دور القوات التي ساهمت باقتلاع هذا الديكتاتور. وبغض النظر عن ممارسات القوات الأميركية حالياً على أرض العراق, تراه يحلل لنفسه ما لا يحلله لهم, إذ يطالبهم بالخروج من العراق في وقت بات من المؤكد دور الحرس الإيراني والباسدران في تصدير الإرهاب باتجاه الداخل العراقي. كل هذا ويدعي عدم تدخله بالشؤون العراقية!
وللأمم المتحدة تقول بأن إيران لا تأبه كثيراً بالعقوبات التي تذهب الأمم المتحدة إلى تصعيدها يوماً بعد يوم ,ولا تهابها, كونها لم تمنعها من فك طوق العزلة المفترضة, كما لم تؤخرها عن الانفتاح الاقتصادي المنتج على بلدان الجوار. والمعلوم أن السوق العراقي بات اليوم مغرقاً بسيل البضائع والمنتجات الإيرانية, كما كان الحال بالنسبة لمرحلة الاحتلال السوري للبنان, حيث أغرقت البضائع السورية السوق اللبنانية. تلك هي شيم وأخلاقية كل احتلال في ممارساته مع البلدان المهيمن عليها.
وبالنسبة للداخل الأميركي, فزيارة أحمدي نجاد تتزامن مع المعركة التي يخوضها الديمقراطيون أمام الجمهوريين. ورسالة نجاد تقول بهزيمة بوش بسبب تورط مشروعه في الوحول العراقية, محملة إياه مسؤولية تكليف الشعب الأميركي أثماناً باهظة كان بغنى عنها.كما تقول بأن التواجد الأميركي أدخل العراق في حرب دامية وطويلة لا يمكن تحديد نهايتها, ولا تاريخ خروج القوات الأميركية من براثينها. وهو خطاب يدعم طبعاً معركة الديمقراطيين على حساب الجمهوريين. وإما أن يكون هذا الموقف الداعم بشكل غير مباشر للديمقراطيين غير مقصود وهو أمر مستبعد, وإما أن يكون مقصوداً, ومن المتوقع أن تتضح نتائج هذه المفاضلة في السنوات المقبلة.
وفيما خص العالم العربي فالرسالة هي أن إيران أصبحت طليقة اليدين وقادرة على أن تسرح وتمرح في البلد العربي المجاور, وهي عدا عن تحكمها بالمناطق الشيعية بواسطة أحزابها الشيعية, تراها الآن داخلة وتمول أيضاً بعض الحركات الأصولية السنية. فمن ناحية تعمل على إبقاء العراق كيانا متفجراً, حتى تستمر بهيمنتها عليه, ومن ناحية أخرى تستعمله للقفز عبره إلى أقطار مجاورة. والسؤال هو حول هوية البلد المستهدف اليوم بحملة العشق الإيراني, أما وقد شهدنا كيف حول هذا العشق الهدام بلداناً مزدهرة مثل لبنان إلى خربة, وبلداناً موحدة في نضالها وانتمائها القومي إلى منشقة على نفسها مثل فلسطين والعراق.
* كاتبة لبنانية








