السياسه الكويتيه – استرون ستيفنسون : هل يمكن لإصلاحات العبادي أن تنقذ العراق؟ مرة أخرى جرت يوم الجمعة الماضي مظاهرة حاشدة نظمها رجل الدين الشيعي العراقي المتشدد مقتدى الصدر، في جميع أنحاء المنطقة الخضراء في وسط بغداد. هذه التظاهرة هي الاحدث في سلسلة من المظاهرات التي شارك فيها مئات الآلاف من أنصار الصدر احتجاجا على الفساد في الحكومة العراقية. في البداية، كان الصدر يريد أن يوجه أنصاره الذين معظمهم من القاطنين في ضواحي مدينة الصدر المحرومة في بغداد لمداهمة المنطقة الخضراء كاملة،
ويصف هذه المنطقة بـ “بؤرة الفساد” ويندد بها، لكنه صرف النظر عن نيته وأمـر أتباعه يوم الجمعة الماضي، بالاعتصام في محيط المنطقة. ومع ذلك، قطع الآلاف من المتظاهرين الغاضبين من خلال الأسلاك الشائكة، التي تحمي الحدود الخارجية للمنطقة الخضراء وشقوا طريقهم نحو نقاط التفتيش الأمنية التي تحيط بالمجمع الذي يسكن فيه كبار وزراء الحكومة والسفارات الأجنبية.
الا أن العسكريين المسلحين والشرطة لم يفشلوا في ايقافهم فقط، وانما في كثير من الحالات انضموا الى المحتجين، وربما يتعاطفون مع دعوتهم لوضع حد للفساد والارتشاء. الصدر يطالب باستبدال مجلس الوزراء العراقي بـ . “عناصر تكنوقراط” ويقول إنه سيتحمل المسؤولية أكثر أمام الشعب. إنه يطالب أيضا بإصلاح كامل في القضاء العراقي المسيس الذي يشكل الجذر والفرع لإعادة تنظيم المؤسسات المالية والبنوك الغارقة في الفساد المستشري وفق ادعاء الصدر. بإعلانه أن المتظاهرين يجب أن يرفعوا الأعلام العراقية فقط وليس الشعارات الأخرى، مهد الطريق لمشاركة غيرهم من المعارضين والمتظاهرين الذين زاد عددهم حالياً من قبل أفراد عاديين من المجتمع المدني العراقي، ممن يعانون من الفساد والفقر والقمع والظلم وانضموا الى التيار الصدري.
ويسعى مقتدى الصدر إلى حشد الرأي العام العراقي من خلال الضغط. وكانت هيئة النزاهة في البرلمان أعلنت العام الماضي أن سلف رئيس الوزراء العراقي العبادي – نوري المالكي – قد سرق نحو 500 مليار دولار خلال فترة ولايتيه بين عامي 2006 و2014. وهذا الفساد كان على نطاق واسع. يعتبر العراق حالياً البلد الأكثر فسادا في العالم العربي ومن ضمن البلدان العشرة الأولى الأكثر فسادا وفقا لمنظمة الشفافية الدولية. كان التركيز الرئيسي للاحتجاجات في جميع أنحاء المنطقة الخضراء في بغداد،
وكذلك في البصرة وغيرها من المدن العراقية الرئيسية على فشل حكومة حيدر العبادي في معالجة الوضع بشكل فاعل. الكثير من العراقيين يتساءلون لماذا، بعد أكثر من 550 يوماً من مباشرته مهام منصبه، لم يأمر باعتقال نوري المالكي الذي ما زال يحافظ على قوة هائلة ونفوذ في العراق؟ العبادي أقال المالكي في أغسطس 2015 من منصب نائب رئيس الجمهورية كجزء من حزمة الإصلاح على نطاق أوسع، لكنه لم يتمكن من اصدار توجيه اتهام ضد المالكي بالفساد أو حتى عن جرائم ضد الإنسانية تتعلق بحملة الإبادة الجماعية القاتلة ضد السكان السنة في العراق. وعلى العكس من ذلك، ما زال المالكي يمول جيشا خاصا لشن هجمات قاتلة على المدنيين السنة العزل. المفارقة هي أن هذه الحملة لمكافحة الفساد تجري بقيادة مقتدى الصدر فيما هو زعيم لكتلة برلمانية كبيرة، ومسؤول عن ترشيح عدد من وزراء بارزين في الحكومة تبين فشلهم الذريع، وكلهم كانوا فاسدين مثل البقية، وبالفعل فإن هذه الكتلة النيابية لم تقدم شيئا يذكر نحو إدخال اصلاحات ذات فائدة. كثير من الناس يعتقدون حالياً ان الصدر، الذي عاش لسنوات عديدة في إيران، وكان على علاقة وثيقة مع النظام الإيراني، يستغل هذه الفرصة لإعادة اظهار نفسه على أنه بطل في الصدق والنزاهة، وفي ثوب جديد لرجل متسامح وسياسي وطني معتدل، وبدلا من انه كان أحد أمراء الحرب، يستنكر حتى في بعض الأحيان التدخل الإيراني في العراق. مع ذلك فإنه لا يزال يقود ميليشيا مسلحة تدعى “لواء السلام” ويقود حركة شعبية يؤيدها في الغالب الفقراء.
ونتيجة لذلك فقد أصبح له أعداء كثر داخل وخارج العراق. ولكن قدرته على حشد مئات الآلاف من المؤيدين خلال اجتماعه الأخير للاحتجاجات يوم الجمعة قد أرسل رسالة قوية إلى خصومه بأنه ليس رجلا يتدخل بلا سبب. ليس هناك شك اليوم في أن ما لم تنفذ بعض الاصلاحات السياسية والاقتصادية جذريا في العراق، فهذا البلد سينهار في الظلام. وسيكون إلحاق هزيمة بـ”داعش” أصعب بكثير، وحتى لو تم سحقه في نهاية المطاف، فان المستقبل سيكون قاتما. من الضروري اجراء تغييرات جريئة وفي المقدمة يجب طرد جميع العملاء الإيرانيين الذين لوثوا السياسة العراقية والاقتصاد العراقي. يجب القبض على نوري المالكي ويجب إزاحة قضائه الفاسد بالركلة. وقد ألمح حيدر العبادي الى أنه سيعلن قريبا إقالة تسعة وزراء وتشكيل حكومة جديدة، وهذه أول علامة ملموسة على استعداده لقيادة هذا النوع من الإصلاحات الشجاعة التي ينادي بها العراقيون، لكنه سيحتاج أيضا إلى إعادة بناء علاقات ستراتيجية مع جيرانه العرب الذين تم تهميشهم خلال 8 سنوات من الحكم القمعي من قبل المالكي دمية طهران. سيحتاج العبادي لاقناع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية على أن الحكومة العراقية يمكن الوثوق بها. وبهذه الطريقة فقط يمكن للعبادي أن يترك وراءه إرثا قيما للعراق. وعندما يقرع مقتدى الصدر أبواب المنطقة الخضراء في بغداد، فعلى العبادي ألا يتردد، واذا أبدى ترددا أو أظهر أي علامة من الضعف، فستكون العواقب وخيمة بالنسبة للعراق. عضو برلمان أوروبي سابق ترجمة نظال جاف








