الثلاثاء,7فبراير,2023
EN FR DE IT AR ES AL

مؤتمر إيران حرة 2021

مريم رجوي الرئيسة الجمهورية لإيران المستقبل

مريم رجوي

مريم رجوي: كارثة كورونا في إيران- يجب القيام بحماية الشعب الإيراني وصحته وأمنه ومستقبله

ماتثير الإعجاب بشأن مجاهدي خلق

رسالة بمناسبة حلول السنة الإيرانية الجديدة

هذا هو الإسلام(3)

السياسة  الكويتيه –  الشيخ الدكتور تيسير التميمي: كنت قد ذكرت في الحلقة السابقة من هذه السلسلة أن الرسول صلى الله عليه وسلم وضع في السنة الأولى لهجرته النبوية المشرفة أول دستور مكتوب للدولة الإسلامية ينظم الحقوق والعلاقات الحياتية العامة والإدارية والسياسية للمسلمين مع بعضهم بعضاً, ومع اليهود المقيمين في المدينة.

ويعتبر دستور المدينة هذا أول وثيقة سياسية وحقوقية تعترف بالمواطنة غير المبنية على أساس الانتماء الإثني أو العرقي, كما هو شائع في الدول والحضارات البائدة والمعاصرة لصدر الإسلام والنظم السياسية التي جاءت بعده, فقد اعترف بالمجتمع المدني المتكون من فئات ذات انتماءات قومية متعددة. وقد ترتبت بناء عليها حقوق للمواطن غير المسلم وغير العربي تضمنها وتكفلها الدولة.

لقد أصبح أهل المدينة بالهجرة ثلاثة أصناف هم : المس¯لمون من المهاجرين المكيين والأنصار من قبيلتَيْ الأوس والخزرج, واليهود الذين استقروا فيها منذ زمن بعيد, والعرب المشركون الذين لم يدخلوا الإسلام بعد. وهذه تشكيلة اجتماعية ظهرت فيها التعددية بأجلى صورها, تعددية دينية وقومية شاركت فيها عناصر وأجناس وأعراق مختلفة تفتقر إلى التجانس والتآلف بينها وتأمين عَيشها معاً بسلام, فلا يمكن لأية دولة أن تنهض وترتقي إلا على أساس من وحدة مواطنيها, فنشر العدل يجب أن يسبقه نشر المحبة والتعاون, أما الفرقة ففيها الهلكة والانهيار. ولتحقيق ذلك, فقد عمل صلى الله عليه وسلم على توحيد الأوس والخزرج وإزالة الخلافات والأحقاد والضغائن التي كانت بينهما, وسجل القرآن الكريم ذلك بقوله تعالى } وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً { آل عمران 103. ثم آخى صلى الله عليه وسلم بينهم مؤاخاة حقيقية بالأسماء, تعدَّت في أحكامها أخوة العقيدة والانتماء الديني والفكري إلى التوريث الذي هو من أحكام أخوة الدم والنسب, وترجم الأنصار هذه المؤاخاة في الواقع, فقاسموا إخوانهم المهاجرين في كل ما يملكون, بل آثروهم على أنفسهم, فوصف الله تعالى هذا الإيثار بقوله سبحانه }وَالَّذِينَ تَبَوَّءوا الدَّارَ وَالإيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً ممَّآ أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ { الحشر9. واستمرت هذه الأخوة وحكم التوارث المترتب عليها فترة حتى تغلغلت الأخوة في القلوب, حتى غزوة بدر, فنزل قوله تعالى } وَأُوْلُواْ الارْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَبِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُل شَىْء عَلِيمٌ { الأنفال 74, نسخت هذه الآية حكم التوارث فعاد كل إنسان إلى نسبه ليرثه المستحقون حسب أحكام الفريضة.

وفي المجتمع الإسلامي ¯ وبالأخص بعد بدرٍ وتداعياتها ¯ ظهر في المدينة المنورة صنف غير معهود من المخالفين, إنه المنافق الذي تستر بالإسلام وتظاهر به وأخفى كفره وشركه, وانضوى في مجتمع الإسلام ليتمكن من الكيد له ولدينه ولنبيه صلى الله عليه وسلم, ورغم أن هذا المخالف أخطر صنف من الأعداء على الإسلام ودينه وبنيانه لكونه آتياً من عمق المجتمع ومن صميمه, إلاَّ أن الإسلام ورسوله صلى الله عليه وسلم عمل على استيعابه واحتوائه وتجنب الصدام معه, فأفسح له المجال للمشاركة في فعاليات حياة المجتمع المسلم, في العبادات والمعاملات والجهاد, فلم يصدر عنه في كل مرة غير التثبيط والإحباط والفتِّ في العضد والطعن في الظهر, فقوبل بالصبر وسعة الصدر, قال عبد الله بن أُبَي زعيم المنافقين مستغلاً خلافاً بين أحد المهاجرين ورجل أنصاري : والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل, فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق. فقال له صلى الله عليه وسلم }دعه, لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه{ رواه البخاري, فنزل في ذلك قوله تعالى في سياق وصف المنافقين } يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ { المنافقون 8, وفي الوقت ذاته فضح الله نوايا أهل هذا التيار المعادي وكشف كثيراً من مخططاتهم ووضح صفاتهم وأوحى لنبيه صلى الله عليه وسلم بأسمائهم فرداً فرداً. إن التعددية في اللغات والأعراق والمذاهب والاتجاهات هي سمة واضحة من سمات المجتمع الإسلامي التي لازمته طوال العصور وفي مختلف المراحل : ففي صدر الإسلام كان مجتمع المدينة المنورة كما رأينا يتألف من فئتين رئيسيتين هما المهاجرون والأنصار, إضافة إلى أقلية يهودية كبيرة, وأخرى نصرانية صغيرة. وفي العصر الأموي شهدت الدولة الإسلامية وجود أقليات عرقية أخرى كالفرس مثلاً, ثم في العصر العباسي ضمت الدولة أعراقاً أخرى كالأتراك والأكراد وغيرهم. وفي فترات تاريخية تالية ضم المجتمع المسلم أقليات دينية أخرى كالمجوس والصابئة والهندوس.

هذا بالإضافة إلى وجود تيارات سياسية وفكرية وفلسفية أخرى كالخوارج والمعتزلة. لقد كان لهذا التنوع والتعدد في المجتمع الإسلامي دوره في إثراء الفكر والثقافة, وفي ازدهار الحضارة الإسلامية, ولكنه لم يمنع التعايش بين الجميع في مجتمعهم الواحد. لكن لا يصح الحكم على الإسلام بما يسود في المجتمع الإسلامي اليوم من تقييد وانغلاق وظلم واستبداد, وبُعد عن الفكر. فهذا مخالف للإسلام ولنهجه, وما نراه ونعيشه هو الإسلام الموروث الذي أسهم الفقهاء النوابغ في صياغته على مدى ألف عام, لكن بعض الفئات المتشددة وأصحاب التوجهات المتعصبة انتقت منه ما يتواءم مع آرائها وأفكارها, فشوهت صورته بما تبثه في فكر ناشئتها ومنتسبيها. لم يفرض الإسلام اللغة العربية, وهي لغة القرآن الكريم, على الشعوب الإسلامية, رغم كون اللغة أم المد الثقافي, ووعاء التعبير عن الثقافة, فقبل التعددية والخصوصية اللغوية التي هي من أشد مظاهر الخصوصية الثقافية. وشارك غير العرب في حكم الأمة الإسلامية, وتصدر قمتها السياسية, فقد ساعد بعض الفرس في تسيير أمور الدولة العباسية, وحكمت الدولة العثمانية العالم الإسلامي والعربي قروناً, ويتمتع صلاح الدين الأيوبي وآل زنكي الأكراد بمكانة عظيمة في قلوب المسلمين. والناظر في كتب التاريخ الإسلامي والتراجم يدرك دور الأجناس والأعراق غير العربية في حمل لواء الإسلام ونشر حضارته في العالم, وفضل البخاري ومسلم غير العربيين في الأصول على الحديث النبوي وعلومه لا ينكر, فالإسلام لا يقيم وزناً للاختلاف العرقي بين أبنائه, قال صلى الله عليه وسلم } يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد وإن أباكم واحد ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى { رواه أحمد.

فالله سبحانه وتعالى خالق الأجناس كلها, ورب الأجناس كلها. جمع الإسلام بين عمار العربي وسلمان الفارسي وصهيب الرومي وبلال الحبشي, ثم جمع معهم على مدى عقود وقرون التركي والصيني والهندي والإندونيسي والإفريقي وغيرهم على قدم المساواة في مجتمع واحد يتمتعون فيه جميعاً بمواطنة واحدة لا تمييز بينهم. ومن مظاهر التعددية القومية أن الإسلام احترم الأعراف البيئية والاجتماعية التي لا تتعارض مع أحكام الإسلام, ففي الأعراس يقول صلى الله عليه وسلم عن الغناء فيها } إن الأنصار قوم فيهم غزل { رواه ابن ماجة, فقد حرص صلى الله عليه وسلم على احترام عاداتهم ما دامت غير مخالفة للشرع. وفي الأعياد, وبينما كان الحبشة يلعبون عند النبي صلى الله عليه وسلم بحرابهم ( احتفالاً بالعيد ) دخل عمر فأهوى إلى الحصباء فحصَّبهم بها, فقال صلى الله عليه وسلم } دعهم يا عمر { رواه البخاري. وفي العلاقات الخاصة بين الزوجين كان لرجال الأنصار طريقة في معاشرة الزوجات تختلف عن طريقة القرشيين, فلما رفضت زوجة أنصارية طريقة زوجها القرشي المهاجر وأخبرت الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك نزل قول الله سبحانه وتعالى } نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ { البقرة 223, ووضح صلى الله عليه وسلم الأمر بقوله } أقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة { رواه النسائي, فوسَّع النبي صلى الله عليه وسلم الدائرة على الناس, ولم يحملهم على أعراف وطبائع غيرهم لما في ذلك من مشقة. لم يعارض الإسلام الانفتاح على ثقافة الأمم والشعوب الأخرى, وأخذ ما لا يتعارض مع أحكام الدين منها, قال صلى الله عليه وسلم } الكلمة الحكمة ضالة المؤمن حيثما وجدها فهو أحق بها { رواه ابن ماجة, فقد نفَّذ صلى الله عليه وسلم مشورة سلمان الفارسي رضي الله عنه بحفر الخندق, وهي خطة فارسية في الحروب, ورغم أن نفسه تعاف لحم الضب إلا أنه لم يمنع خالد بن الوليد رضي الله عنه أكله, واقتبس أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فكرة الدواوين عن الفرس لما احتاجت الدولة الإسلامية المتطورة إليها, وأخذ فكرة التأريخ أيضاً لكنه خصصها بأن بدأه بالهجرة النبوية بوصفها مبدأ قيام دولة الإسلام! قاضي قضاة فلسطين, رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي سابقاً, أمين سر الهيئة الإسلامية العليا بالقدس –