احرار العراق تيسير التميمي : يتفطر القلب ألماً وتبكي العيون دماً ـ لا دمعاً ـ لما يحدث للأخوة الأشقاء في بلاد الشام والعراق ، في بلدي الخلافتين الإسلاميتين : الأموية في دمشق والعباسية في بغداد أيام حضارتها الزاهرة المشرقة ، الحضارة التي صدَّرت للدنيا العلم المتقدم والثقافة المستنيرة والفكر المبدع ، بعد كل هذا استحال البلدان إلى ميدان الاقتتال والصراع الطائفي ، أنهار من الدماء وآلاف مؤلفة من القتلى والجرحى يسقطون بأيدي أبناء جلدتهم ، ملايين يشردون من أوطانهم إلى مخيمات اللجوء والشتات هرباً بأنفسهم وأرواحهم وبعض ذويهم من المجازر البشعة التي يتعرضون لها ليل نهار ،
نكبات تذكرنا بنكبة الشعب الفلسطيني الذي هجر وطرد من دياره وممتلكاته على أيدي العصابات الصهيونية عام 1948 بقوة الحديد والنار .
لقد كان ظهور التنظيم المسمى داعش نتيجة تأجيج الصراع الطائفي بين السنة والشيعة ، ونتيجة الظلم الواقع حالياً على أهل السنة في العراق وغيرها ، هذا الصراع الذي أذكاه نظام الملالي منذ الاحتلال الأمريكي للعراق الذي مهد لهيمنته المشؤومة على بلاد الرافدين ، أما قبل ذلك فلم نكن نشعر بوجود فرق بين السنة والشيعة ، لم نكن نشعر بوجود خلاف عقائدي أو سياسي بينهما ، لم يكن هناك صراع عسكري بينهما كالذي تدور رحاه الآن ، أما الخلاف الفقهي فلم يكن يوماً مبرراً مقبولاً لمثل ما نراه اليوم من تصارع وتقاتل واقتتال بينهما ، نيران حرب ضروس يستعر أوارها بوقود ثمين من الأبرياء والمدنيين العزل من الطرفين ، مواطنون كانوا قبل اندلاع هذه الفتنة يعيشون في أمن وطمأنينة ، الفتنة التي حققت مصلحة أمريكا في المنطقة بعد فشلها الذريع عام 2003 في احتلال العراق ، والتي جاءت تنفيذاً لفكرة الفوضى الخلاقة التي اخترعتها لتدمير الشرق الأوسط وتغيير مشهده ومكوناته والاستيلاء على ثرواته ومقدراته ؛ والتي من أظهر صورها القائمة الآن تحويل الخلافات وبالأخص المذهبية منها إلى صراع مسلح بين أصحابها .
وفي خضم هذه الأوضاع المأساوية هناك ضيوف في العراق يتطلعون بشوق إلى العودة لوطنهم بعد التخلص من نظام الاستبداد والفاشية الذي سام الشعب الإيراني الشقيق أبشع صور القتل والتعذيب ، والذي يعاني الفقر على الرغم من ثرواته الضخمة التي ينفقها النظام حالياً على التسليح ونشر الفكر الشيعي في بلاد العالم الإسلامي لترسيخ الفرقة والاقتتال بين الشيعة والسنة .
فهؤلاء الضيوف اصطلوا بنار الحرب التي أوقدتها أدوات نظام الملالي في طهران وأذرعها الموالية ، وهم سكان معسكر ليبرتي ، اللاجئون الإيرانيون الذين تعهدت لهم حكومة الولايات المتحدة الأمريكية بالحماية الكاملة بناء على اتفاقيات أبرمتها معهم فرداً فرداً أيام وجودهم في مخيم أشرف ، إضافة إلى أنهم محميون أصلاً بموجب اتفاقيات جنيف وبالأخص الاتفاقية الرابعة التي تنظم شؤون اللاجئين وتكفل حقوقهم أثناء الحروب ، ولهذا فإن الولايات المتحدة الأمريكية وهيئة الأمم المتحدة تتحملان مسؤولية حمايتهم من الناحية القانونية .
إلاَّ أن هؤلاء السكان الذين كان عددهم (3500) ثلاثة آلاف وخمسمائة لاجئ تقريباً يعانون الحصار الشامل المفروض عليهم من حكومة نوري المالكي ظلماً ، ويحرمون الخدمات الضرورية كالماء والكهرباء والدواء والانتقال إلى المشافي لتلقي العلاج ، ويعانون التعذيب النفسي بصور شتى ، بل لقد ارتكبت بحقهم خمسة مجازر جماعية بشعة على يد فيلق القدس الإيراني وغيره من الأذرع العسكرية في العراق ؛ سقط فيها عدد كبير من الشهداء والجرحى واختطف سبعة منهم ستة من الحرائر ما زالوا مجهولي المصير ؛ جرى ذلك كله تحت سمع وبصر الأمم المتحدة والولايات المتحدة ، فلم تقم أيٌّ منهما بالوفاء بالتزاماتها تجاههم ، ولم تقدما لهم الحماية التي تعهدت بها ، ولولا هذا الموقف السلبي منهما لما تجرأ المالكي أو غيره على هذه الانتهاكات لحقوقهم التي تتنافى مع تعاليم ديننا الحنيف والتي تضرب عرض الحائط بالمواثيق والاتفاقيات الدولية والقيم الأخلاقية والإنسانية .
ليس هذا فقط ؛ بل تم نقلهم قسراً قبل عامين تقريباً إلى معسكر ليبرتي الذي كان أحد مقرات الجيش الأمريكي في العراق ؛ والذي يفتقر إلى الحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة ، كل ذلك تحت ذريعة نقلهم إلى بلدان ثالثة لتوطينهم فيها مع تجريدهم من ممتلكاتهم الخاصة في مخيم أشرف ، هذا مع استمرار فرض الحصار عليهم مجدداً مما أدى إلى وفاة 21 منهم بسبب عدم تلقيهم العلاج ، كما أنهم ما زالوا يتعرضون في هذا المعسكر باستمرار للهجمات والقذائف التي تسببت في وقوع شهداء وجرحى آخرين . إن كل هذه المآسي والمظالم التي حلت بهم هي نتيجة لتعليمات نظام الملالي الذي يتحكم في كل مفاصل الحياة في العراق .
أما العراق الشقيق فإن استعادة شعبه لوحدته من جديد ونبذ الخلاف والاختلاف فيما بين أبنائه وتجنب الصراع والنزاع المسلح هو الوصفة السحرية التي ستعيده سليماً معافى يتبوأ مكانته بوصفه من أقوى دول المنطقة سياسياً واقتصادياً ؛ حيث إنه يملك أكبر احتياطي من النفط في المنطقة ، فالتعددية المذهبية والإثنية بين مكوناته هي في مصلحته وليست ضدها لأنها ظاهرة صحية ما دامت قائمة على احترام الآخر والتعايش معه بكل تسامح وحفظ للحقوق ، ويجب ألاَّ يسمح بأن تكون سلاحاً بأيدي أعدائه يستخدمونه للإجهاز عليه سواء في ذلك نظام الملالي والولايات المتحدة الأمريكية .
يضاف إلى ذلك مساندة نظام الملالي لنظام الأسد في سوريا الشقيقة بإرسال الحرس الثوري وقوات حزب الله لقتل أبنائها الذين يطالبون بالحرية والاستقرار والعيش الكريم ، وإن إنهاء هذه المأساة التي استمرت أكثر من أربع سنوات أن يرفع نظام الملالي يده عن سوريا ، وإعطاء الشعب السوري حقه في نيل الكرامة والديموقراطية ، وإنهاء نظام القهر والاستبداد الذي مارس ضد الشعب السوري كل صور القتل والإرهاب والتعذيب .








