من غير أن تحيد عن سياسة التخويف والترهيب والردع لإدارة الرئيس بوش التي تبدو عازمة على توجيه ضربة عسكرية إلى إيران, تميل طهران إلى إظهار وتأكيد قوَّتها ومَنْعَتِها من خلال قولها في استمرار إنَّ الولايات المتحدة, وبسبب ما تعانيه في العراق وأفغانستان, لن تجرؤ على شن الحرب عليها, مُفَضِّلةً تفسير كلامها
الحربي على أنَّه حرب كلامية تستهدف زيادة الضغوط السياسية عليها, فإذا بدا لها وللعالم أنَّ الكلام الحربي لإدارة الرئيس بوش يتعدَّى ذلك, ويمكن تفسيره على أنَّه جزء من الاستعداد الحقيقي للحرب, سعت في ردع تلك الإدارة عن شن الحرب من خلال إظهارها لمخاطر عمل كهذا على مصالح الولايات المتحدة ووجودها العسكري في المنطقة (وفي العراق على وجه الخصوص).
إنَّ الرئيس بوش مع بقايا فريقه الحاكم وفي مقدَّمه نائبه تشيني لا يستطيع انتهاج سياسة تَضْرِب صفحاً عن حقيقتين أساسيتين, الأولى هي أنَّه في عجزٍ متزايد عن الانتصار في حربه في العراق, وعن الخروج منه خروج المهزوم, والثانية هي أنَّه لا يستطيع مغادرة البيت الأبيض قبل أن يتأكَّد, من خلال ضربة عسكرية يُوجِّهها إلى إيران, أنَّ طهران فَقَدَت القدرة على إنتاج سلاح نووي. ولقد أكَّد وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير أنَّ الولايات المتحدة مُنِيَت بـ "هزيمة" في العراق, قائلا: "إنَّ هزيمتها هناك حقيقة واقعة". أمَّا تشيني فقد تحدَّث, من قبل, عن خطر "هولوكوست (محرقة) نووي" في الشرق الأوسط إذا ما سُمِح لإيران بالتحوُّل إلى قوَّة عسكرية نووية. ويمكن تفسير ما قيل في الولايات المتحدة وإسرائيل, إعلامياً في المقام الأول, عن "السبب النووي" للغارة الجوِّية الإسرائيلية في عمق الأراضي السورية المحاذية للأراضي التركية على أنَّه جزء من محاولة إثبات أنَّ تحذير تشيني من مغبَّة "الهولوكوست النووي (الإقليمي)" ينطوي على قدر كبير من الحقيقة.
وثمَّة تطوُّرات ثلاثة يمكن النظر إليها على أنَّها دليل على أنَّ ساعة ضرب إيران قد أزِفت, الأوَّل هو الانشقاق البرلماني لجماعة الصدر عن "قائمة الائتلاف العراقي الموحَّد", فهذه الجماعة تملك من الوزن الشعبي (الشيعي) والعسكري ما يجعلها جزءا مهما من الردِّ العسكري لإيران إذا ما وُجَّهت إليها الولايات المتحدة ضربة عسكرية, والثاني هو ما تُظْهره الحكومة الإسرائيلية من مَيْل إلى الإحجام عن القيام بعمل عسكري كبير في قطاع غزة, والثالث هو قول رئيس الوزراء الإسرائيلي إنَّه يريد لتفاوضه مع رئيس السلطة الفلسطينية, ولـ "اللقاء الدولي" أن يتمخَّضا عن "بيان (أو إعلان) مشترَك", وليس عن "اتِّفاق (على مبادئ) مُلْزِم", وكأنَّه أراد أن يقول إنَّ "الاتِّفاق المُلْزِم" يجب أن يُصاغ ويُكْتَب في ضوء الحقائق والوقائع التي ستتمخَّض عن ضربة عسكرية لإيران
جواد البشيتي








