اشتباکات بالایدی في البرلمان الایراني-
MEO- د. مصطفى عبدالقادر؛
التناقضات بين أجنحة الحكم في طهران تكشف مأزقاً متفاقماً، وسط ضغوط اقتصادية واحتقان شعبي يضيّقان خيارات النظام الإيراني.
تضارب مراكز القرار يعمق مأزق النظام الإيراني
في أواخر أكتوبر/تشرين الأول 2026، كشفت المواقف والرسائل المتضاربة الصادرة عن أعلى هرم السلطة في طهران عن انسداد استراتيجي غير مسبوق يعصف بأروقة النظام الإيراني. يتأرجح الخطاب الرسمي بين الاستعداد لمواجهة عسكرية جديدة، وتوسيع القدرات الصاروخية والمسيّرات والتحكم في مضيق هرمز، وبين محاولات جادة لفتح مسار ينهي حالة “لا حرب ولا سلام” الممتدة.
مع تصاعد الضغوط المركبة، طفت الانقسامات الحادة بين ما يصدر عن مجتبى خامنئي وما يطرحه رئيس السلطة التنفيذية مسعود بزشكيان وبقية أقطاب الحكم إلى العلن، مما يبرهن على غياب رؤية استراتيجية متماسكة قادرة على الموازنة بين كلفة التصعيد الخارجي ورعب الانهيار أمام الاحتقان الشعبي المتفاقم.
تجسدت أحدث مظاهر التخبط القيادي في أعقاب الاجتماع الذي عقده مجتبى خامنئي مع أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، حيث جرى التأكيد على ضرورة التمسك بشروط النظام لإنهاء حالة الركود الراهنة القائمة على معادلة “لا حرب ولا سلام”.
وفي اليوم التالي مباشرة، سارع مسعود بزشكيان خلال اجتماع لمجلس الوزراء إلى تقديم قراءة مغايرة، مفسراً توجيهات الولي الفقيه بأنها تعني حتمية كسر الجمود الراهن والخروج من المأزق، لكنه استدرك بالتشديد على استمرار الاستعداد لخيار الحرب بالتوازي مع السعي لأي تفاهم.
إن هذا التباين العلني بين مؤسسات صنع القرار لا يقتصر على خلاف شكلي في التعبير، بل يعكس صراعاً جوهرياً بين أجنحة السلطة حول كيفية مواجهة الأزمة الوجودية.
تزامنت هذه التناقضات مع تحركات مكثفة ركزت على استعراض أدوات الردع؛ إذ شدد مجتبى خامنئي خلال لقائه برئيس البرلمان محمد باقر قاليباف على تدعيم عناصر القوة، وفي مقدمتها تشديد السيطرة على مضيق هرمز وتوسيع الترسانة الصاروخية وبرامج الطائرات المسيّرة، إلى جانب التمسك بالعلاقات مع الشركاء الاستراتيجيين.
وجاء توقيت هذه الطروحات لافتاً في ظل الحراك الدبلوماسي والعسكري في المنطقة، والذي شمل زيارة وزير الخارجية الروسي سرغي لافروف وقائد الجيش الباكستاني. كما أعادت المباحثات مع القائد الأسبق للحرس الثوري محسن رضائي، تسليط الضوء على سيناريوهات إنهاء الجمود الحالي دون تقديم صيغة توفيقية قابلة للحياة.
تكشف هذه المناورات المتضاربة عن المأزق الفعلي للنظام؛ إذ أن أي مواجهة خارجية جديدة ستجلب دماراً اقتصادياً وخسائر عسكرية تعمق هشاشته السياسية، في حين أن استمرار المراوحة وحالة عدم اليقين يستنزف ما تبقى من شرايين الاقتصاد. لكن العقدة الكبرى تكمن في العامل الحاسم المتمثل في الغليان الداخلي؛ فالأزمة المعيشية المستفحلة، وانهيار القوة الشرائية، والتضخم الجامح، الناجمة عن تحويل مقدرات الشعب لتمويل آلة البطش التابعة للحرس الثوري الايراني، حولت الشارع إلى برميل بارود. إن أي تصعيد خارجي سيفاقم الضغط على كاهل المحرومين، كما أن أي تسوية لن تطفئ نيران الغضب الشعبي المشتعلة.
يثبت العجز عن تبني استراتيجية مستدامة أن الأزمة تجاوزت حدود المناورات السياسية لتطال بنية الحكم ذاتها؛ فالأصوات الحرة داخل المجتمع الإيراني، وفي طليعتها التشكيلات المنظمة من “جيش الجياع”، تدرك أن الحل لا يكمن في ترقب نتائج صراع الأجنحة. وبدعم ميداني متواصل من قِبل “وحدات المقاومة” التي تؤطر كل “حراك اعتراضي” وتصعّد وتيرة “النضال” الثوري، يترسخ في الوعي الجماهيري المبدأ الراسخ: “لا لنظام الشاه ولا لنظام الولي الفقيه”.
تؤكد الوقائع السياسية في نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2026 أن التخبط المستشري بين خياري التصعيد أو التراجع لا يمثل مجرد تباين دبلوماسي، بل هو أزمة بقاء شاملة يواجهها النظام الإيراني بعد أن استنفد كل مناوراته، فالمعضلة الجوهرية لا تنحصر في عجز مجتبى خامنئي عن حسم بوصلة القرارات، بل في أن أي مسار يختاره سيضعه في مواجهة مباشرة مع الشعب الإيراني الرافض للاستبداد بكافة أشكاله.
مع استمرار استنزاف الثروات في المغامرات العسكرية، يبقى الأفق مفتوحاً أمام تصاعد النضال الجماهيري لكسر القيود، ليؤكد أن التغيير التاريخي لا يمر عبر المساومة، بل عبر الإرادة الشعبية القادرة على إقامة جمهورية ديمقراطية حرة.








