مريم رجوي الرئيسة الجمهورية لإيران المستقبل

مريم رجوي

اجتماع إيران حرة 2023: إلى الأمام نحو جمهورية ديمقراطية

المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية

ماتثير الإعجاب بشأن مجاهدي خلق

أحدث الاخبارإيران بين رغيف الخبز وحصار النفط.. اقتصاد يختنق ومجتمع يدفع الثمن

إيران بين رغيف الخبز وحصار النفط.. اقتصاد يختنق ومجتمع يدفع الثمن

صورة لشح الخبز في ایران-

الحوار المتمدن-سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:
في إيران اليوم، لم يعد الانهيار الاقتصادي مجرد أرقام تتداولها التقارير أو خلافات حول نسب التضخم وسعر العملة، بل أصبح واقعا يوميا يقاس بثمن رغيف الخبز، وبقدرة الأسرة على توفير احتياجاتها الأساسية، وبمدى ما تبقى من قيمة الرواتب في مواجهة موجات الغلاء المتلاحقة. وحين يصبح تأمين الغذاء تحديا يوميا لملايين المواطنين، فإن الأزمة تتجاوز حدود الاقتصاد لتتحول إلى قضية استقرار سياسي واجتماعي.
وتقدم الارتفاعات المسجلة في أسعار المواد الغذائية خلال أواخر أكتوبر 2026 صورة واضحة عن حجم الاختلال. فقد ارتفع سعر رغيف الخبز من 20 ألف تومان إلى 70 ألفا، أي بزيادة بلغت 250%، فيما قفز سعر رغيف الباغيت من 12,500 إلى 30 ألف تومان. ولا تكمن خطورة هذه الزيادات في حجمها وحده، بل في طبيعة السلعة التي تطالها؛ فالخبز ليس من الكماليات التي تستطيع الأسر الاستغناء عنها، وإنما يمثل جزءا أساسيا من قوتها اليومي.
وتزداد الصورة قتامة عندما ننتقل من المستهلك إلى المنتج. فالمزارع الإيراني يواجه ارتفاعا كبيرا في أسعار الأسمدة والمبيدات ومستلزمات الإنتاج، بينما لا يحصل بالضرورة على سعر عادل لمحصوله. وهكذا يجد نفسه محاصرا بين تكاليف متصاعدة وعوائد محدودة، في حين تتسع الفجوة بين سعر المنتج عند المزرعة وسعره في الأسواق. وهذه ليست مشكلة قطاع زراعي فحسب، بل تهديد مباشر لاستمرارية الإنتاج المحلي وزيادة الاعتماد على سلاسل توريد أكثر كلفة وهشاشة.
وفي المقابل، تثير الفجوات الكبيرة بين كلفة الإنتاج وأسعار البيع تساؤلات حول بنية السوق ودور الوسطاء والاحتكار. فالمثال الوارد بشأن جبن البيتزا، الذي تبلغ كلفة إنتاجه 283,250 تومانا ويباع بنحو 615 ألفا، يعكس اتساع المسافة بين الإنتاج والاستهلاك. كما أن ارتفاع أسعار المنظفات والمواد المنزلية يؤكد أن الضغوط لم تعد محصورة في الغذاء، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية.
غير أن الأزمة لا يمكن قراءتها بمعزل عن التطورات المالية الخارجية. فتقرير وزارة الخزانة الأمريكية، وفق ما أورده التقرير المنشور، يتحدث عن وصول التضخم الإيراني إلى نحو 90% في سبتمبر، وعن تراجع حاد في صادرات النفط نتيجة حملة الضغوط المالية المسماة “عملية المنبوذ الاقتصادي”. كما نقل عن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت قوله إن صادرات النفط الإيرانية تعرضت لقطع شبه كامل، وتوقع انكماش الاقتصاد بنسبة قد تصل إلى 25% خلال عام.
وهنا تبرز معادلة شديدة التعقيد: من جهة، تؤدي العقوبات والقيود المالية إلى تضييق موارد الدولة وقدرتها على الوصول إلى الأسواق الدولية؛ ومن جهة أخرى، يتحمل المواطن القسم الأكبر من كلفة هذا الاختناق من خلال تراجع القدرة الشرائية وارتفاع أسعار السلع وتآكل فرص العمل والإنتاج. ولذلك فإن قياس نجاح الضغوط الاقتصادية لا ينبغي أن يقتصر على حجم ما تتكبده مؤسسات الدولة من خسائر، بل يجب أن يأخذ في الحسبان الأعباء التي تقع على المجتمع.
لكن العامل الخارجي لا يعفي السلطة من مسؤولية الاختلالات الداخلية، ولا يفسر وحده استمرار الفجوة بين الدخول والأسعار، أو ضعف حماية المنتجين، أو اتساع هوامش المضاربة والاحتكار. فالأزمات الاقتصادية لا تنشأ دائما من نقص الموارد، بل قد تتفاقم بسبب سوء إدارتها وتوجيهها بعيدا عن حاجات المجتمع.
والأخطر أن استمرار هذا المسار قد يحول السخط المعيشي إلى أزمة ثقة سياسية أعمق. فالمواطن الذي يعجز عن تأمين احتياجات أسرته لن يجد في المؤشرات الرسمية المجردة إجابة عن أسئلته اليومية، ولن تقنعه الوعود ما لم يلمس تحسنا حقيقيا في حياته.
إن مستقبل إيران الاقتصادي لن يتحدد فقط بمآلات المواجهة مع الخارج أو بقدرة الدولة على الالتفاف على العقوبات، بل بمدى استعدادها لإعادة ترتيب أولوياتها، ومكافحة الفساد والاحتكار، وتوفير بيئة إنتاج عادلة، ووضع الثروة الوطنية في خدمة المواطنين. فحين يصبح رغيف الخبز مؤشرا على أزمة نظام اقتصادي بأكمله، تكون المشكلة قد تجاوزت حدود الأرقام، وأصبحت أزمة نموذج في الحكم والإدارة والتنمية.