مريم رجوي الرئيسة الجمهورية لإيران المستقبل

مريم رجوي

اجتماع إيران حرة 2023: إلى الأمام نحو جمهورية ديمقراطية

المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية

ماتثير الإعجاب بشأن مجاهدي خلق

أحدث الاخبارصناعة المعارضة المصطنعة: حين تتحول البدائل السياسية إلى أدوات لإدامة

صناعة المعارضة المصطنعة: حين تتحول البدائل السياسية إلى أدوات لإدامة

الحوار المتمدن-سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:
ليست الأنظمة الاستبدادية منشغلة دائما بإسكات معارضيها أو القضاء عليهم؛ ففي بعض الأحيان قد تجد مصلحتها في وجود معارضة من نوع آخر، معارضة ترفع شعارات مناهضة لها، لكنها لا تمتلك مقومات التغيير، أو تتحول، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى عامل يشتت القوى السياسية والاجتماعية القادرة على إحداث تحول حقيقي. إنها استراتيجية تقوم على صناعة البدائل الوهمية أو تضخيمها، بحيث يصبح وجودها جزءا من منظومة حماية النظام بدلا من أن يكون تهديدا له.
وقد كشفت تجارب سياسية عديدة في المنطقة أن توظيف المعارضة أو التأثير في مساراتها ليس أمرا جديدا. فالتجربة العراقية، ولا سيما ما أحاط بشخصية أحمد الجلبي قبل سقوط نظام صدام حسين وبعده، تقدم مثالا على كيفية استثمار أطراف إقليمية ودولية لشخصيات وقوى سياسية في رسم تصوراتها عن مستقبل بلد بأكمله. وقد أظهرت التطورات اللاحقة أن الحسابات التي تبنى على معلومات وقنوات سياسية غير متوازنة، أو على شخصيات لا تعكس بالضرورة حقيقة المجتمع وتطلعاته، قد تفضي إلى نتائج بعيدة تماما عن الأهداف المعلنة.
وفي الحالة الإيرانية، تبرز إشكالية مشابهة، وإن اختلفت الظروف والسياقات. فبعد عقود من المواجهة بين المجتمع الإيراني وسلطة الجمهورية الإسلامية، لم تعد القضية محصورة في إسقاط النظام القائم، بل أصبحت مرتبطة بطبيعة البديل الذي يمكن أن يحل محله. وهنا تبرز خطورة اختزال المشهد السياسي الإيراني في ثنائية بين نظام الملالي من جهة، والعودة إلى الملكية من جهة أخرى، وكأن المجتمع الإيراني لم ينتج خلال العقود الماضية تيارات سياسية وفكرية وجمهورية متعددة، أو كأن تطلعات الأجيال الجديدة لا تتجاوز الاختيار بين تجربتين سلطويتين من التاريخ الحديث.
إن تحويل المعارضة إلى واجهة إعلامية، أو منح شخصية سياسية حجما يتجاوز حضورها التنظيمي والاجتماعي الفعلي، يمكن أن يؤدي إلى نتائج تتجاوز مجرد التضليل الإعلامي. فهو يخلق انطباعا بأن هناك بديلا جاهزا، ويصرف الاهتمام عن القوى التي تعمل على بناء مشروع سياسي ومؤسساتي، كما يضعف إمكانية نشوء توافق وطني حول مستقبل البلاد. والأخطر من ذلك أنه قد يعيد إنتاج الانقسامات التاريخية والأيديولوجية داخل صفوف المعارضين، ويحول الخلاف حول شكل الدولة المقبلة إلى صراع يستنزف الطاقات التي يفترض أن تتجه نحو إنهاء الاستبداد.
ولا يمكن، في هذا السياق، تجاهل الدور الذي باتت تؤديه وسائل الإعلام والمنصات الرقمية في تشكيل الوعي السياسي. فالتضخيم المتكرر لبعض الأصوات، وتدوير مقاطع مجتزأة، وتوظيف الحسابات الوهمية والحملات المنظمة، كلها أدوات قادرة على صناعة انطباعات جماهيرية لا تعكس بالضرورة حقيقة المزاج العام. ومع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، أصبحت عمليات التلاعب بالمحتوى والصوت والصورة أكثر سهولة وتعقيدا، الأمر الذي يجعل التحقق من مصادر المعلومات ومصداقيتها ضرورة سياسية ومجتمعية، لا مجرد مسألة مهنية.
ومع ذلك، فإن من الضروري التمييز بين وجود مؤشرات على حملات تضليل أو اختراق للمشهد المعارض، وبين تحويل كل اختلاف سياسي أو تيار فكري إلى مؤامرة مدبرة من السلطة. فالمعارضة الملكية، مثلها مثل التيارات الجمهورية واليسارية والقومية، تضم اتجاهات ومواقف متفاوتة، ولا يصح التعامل مع جميع أنصارها باعتبارهم أدوات للنظام. إن النقد السياسي الجاد ينبغي أن يستند إلى الوقائع، وأن يميز بين النشاط السياسي المستقل وبين أي توظيف أو اختراق محتمل، بعيدا عن الأحكام الجماعية والاتهامات غير المثبتة.
إن المعيار الحقيقي لجدية أي مشروع معارض لا يكمن في حجم ظهوره الإعلامي أو عدد المتابعين على المنصات الرقمية، وإنما في مدى ارتباطه بالمجتمع، وامتلاكه رؤية واضحة لشكل الدولة ومؤسساتها، وموقفه من الحريات والتعددية وحقوق القوميات والمكونات، فضلا عن استعداده لقبول التداول السلمي للسلطة والاحتكام إلى إرادة المواطنين.
فالشعوب التي دفعت أثمانا باهظة في مواجهة الاستبداد لا ينبغي أن تجد نفسها أمام إعادة إنتاجه تحت أسماء وشعارات مختلفة. وليس من المنطقي أن يكون التخلص من سلطة قائمة مدخلا لعودة سلطة سابقة، أو أن يتحول رفض الديكتاتورية إلى تفويض مفتوح لشخص أو عائلة أو تيار سياسي.
إن مستقبل إيران، كما مستقبل أي مجتمع يسعى إلى التحرر، لا ينبغي أن يرسم في عواصم الخارج، ولا أن تحدده الشاشات والحملات الإعلامية، بل يجب أن يكون نتاج إرادة المجتمع نفسه، وتوافق قواه الحقيقية على دولة المواطنة والقانون والمؤسسات.
فالاستبداد لا يحمي نفسه بالقمع وحده؛ فقد يحمي نفسه أيضا بإرباك خصومه، وتشتيت صفوفهم، وإقناع العالم بأن البديل عنه أكثر خطورة منه. وعندما تنجح هذه المعادلة، يصبح غياب البديل الديمقراطي المنظم أحد أهم أسباب استمرار النظام، حتى في اللحظات التي يبدو فيها ضعيفا أمام غضب الشارع.