تظاهرات شعبیة في ایران-
الحوار المتمدن-سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:
لم تعد الضغوط التي تواجهها طهران مجرد جولات جديدة من الصراع الدبلوماسي، ولا عقوبات يمكن الالتفاف عليها بمناورات مالية وتجارية. إنها اختبار قاس لقدرة النظام الإيراني على الاستمرار في إدارة دولة مأزومة، بينما يستهلك مواردها في حماية سلطته وتوسيع نفوذه خارج حدودها. لكن السؤال الأهم ليس كم يخسر النظام من الأموال فحسب، بل إلى أي مدى تستطيع هذه الخسائر أن تضعف أدواته الأمنية وتفتح المجال أمام مجتمع يرزح تحت وطأة الأزمات الاقتصادية والقمع السياسي.
النفط.. شريان يضيق
وفقا لتصريحات القيادة المركزية الأمريكية، حالت الإجراءات البحرية الأمريكية دون تصدير نفط إيراني بقيمة لا تقل عن 25 مليار دولار خلال الأشهر الأخيرة. وهذا رقم أعلنته جهة أمريكية مشاركة في الضغط على طهران، وليس تقييما مستقلا نهائيا لحجم الخسائر؛ لكنه، إن استمر أثر هذه الإجراءات، يكشف حجم المخاطر التي تواجه اقتصادا يعتمد بدرجة كبيرة على عائدات النفط والعملات الأجنبية. المصدر
فالنفط بالنسبة إلى السلطة ليس مجرد سلعة تصديرية، بل أحد أعمدة تمويل الدولة وأجهزتها الأمنية والعسكرية وشبكات نفوذها الإقليمية. وكلما تقلصت الإيرادات وازدادت صعوبة تحصيلها وتحويلها، اشتد التنافس داخل مؤسسات الحكم على الموارد المتاحة، وارتفعت كلفة الحفاظ على منظومة واسعة من المصالح والولاءات.
وفي أوروبا، جاء قرار تصفية فرع “بنك صادرات إيران” في هامبورغ ليضيف تعقيدا آخر إلى المشهد المالي. غير أن الدقة تقتضي الإشارة إلى أن قرار سحب الترخيص ارتبط أيضا بمخالفات تنظيمية لم يعالجها البنك، إلى جانب القيود والعقوبات المفروضة عليه؛ لذلك لا يصح اختزال القضية في العقوبات وحدها. ومع ذلك، فإن تعطل المؤسسات المصرفية الإيرانية في الخارج يزيد صعوبات المعاملات المالية ويضيق هامش الحركة أمام الاقتصاد الإيراني. المصدر
العزلة الخارجية ليست أزمة ملفات منفصلة
حين تتزامن الضغوط الاقتصادية مع الخلافات النووية والتوترات الإقليمية، تتقلص قدرة طهران على معالجة كل أزمة بمعزل عن الأخرى. فالملف النووي يستنزف رصيدها الدبلوماسي، والعقوبات تعرقل علاقاتها المالية، والتحركات الأوروبية بشأن الحوثيين تضع شبكة علاقاتها الإقليمية تحت مزيد من التدقيق. وقد دعا البرلمان الأوروبي بالفعل إلى إدراج الحوثيين على قائمة الاتحاد للمنظمات الإرهابية، لكن القرار يظل دعوة سياسية غير ملزمة بذاتها، فيما يتطلب الإدراج الرسمي قرارا من الدول الأعضاء. المصدر
هذه التطورات لا تعني أن جميع قنوات المناورة أغلقت، ولا أن انهيار النظام بات نتيجة حتمية. فالسلطات قد تلجأ إلى تقليص الإنفاق، وإعادة توزيع الموارد، وتشديد القبضة الأمنية، وتحميل المجتمع كلفة العزلة. لكن اجتماع الضغوط يجعل إدارة الأزمة أكثر صعوبة، ويضع خيارات السلطة أمام اختبار متزايد التعقيد.
من يدفع ثمن الحصار؟ الشعب أم أجهزة السلطة؟
هنا تكمن المفارقة الأكثر خطورة: العقوبات لا تصيب الحكومات وحدها، بل قد تمتد آثارها إلى المواطنين من خلال التضخم، وتراجع القوة الشرائية، واضطراب التجارة وفرص العمل. وإذا لم تصمم الضغوط بطريقة تقلل الأذى المدني، فقد يصبح المواطن الإيراني أول من يدفع ثمن صراع لا يملك قرار إشعاله أو إنهائه.
وفي المقابل، لا يجوز تجاهل أثر الاختناق المالي المحتمل على قدرة السلطة على تمويل أجهزتها الأمنية وشبكاتها الخارجية. إلا أن تراجع الموارد لا يعني تلقائيا انهيار آلة القمع؛ فقد تعطي الحكومات الأولوية للأمن على حساب الخدمات، وتستخدم مزيدا من الترهيب لاحتواء السخط. ولهذا فإن العلاقة بين الحصار واتساع الاحتجاجات ليست آلية، بل تتوقف على قدرة المجتمع على التنظيم، ومتانة شبكات التضامن، ومدى استعداد السلطة لاستخدام العنف.
الشارع هو الاختبار الحاسم
إن أخطر ما تواجهه طهران ليس الخسارة المالية وحدها، بل احتمال اتساع الفجوة بين دولة تنفق مواردها على حماية منظومة الحكم ونفوذها، ومجتمع يطالب بالأمن الاقتصادي والكرامة والحرية والمساءلة. وحين يشعر المواطن بأن أعباء الأزمة تقع عليه، بينما تظل مراكز القرار بمنأى عن المحاسبة، تتحول الأزمة الاقتصادية إلى أزمة ثقة سياسية.
لكن الرهان على أن الضغوط الخارجية ستنجز وحدها التغيير الداخلي رهان غير مضمون. فالتغيير المستدام لا يصنع بالعقوبات وحدها، ولا يقاس بمجرد تراجع الإيرادات؛ بل بقدرة الإيرانيين على بناء حراك مدني مستقل، وبوجود مشروع سياسي يضمن الحقوق والتعددية والمساءلة، ويحول دون استبدال سلطة مغلقة بأخرى.
إن تضييق الخناق المالي والدبلوماسي على طهران قد يضعف أدواتها ويزيد صعوبة استمرار سياساتها، لكنه لا يمنح أحدا حق تقرير مستقبل إيران نيابة عن شعبها. المعيار الحقيقي ليس مقدار ما يخسره النظام في الخارج، بل ما إذا كان الإيرانيون سيتمكنون من تحويل أزمته إلى فرصة لبناء دولة تخدم مواطنيها، لا سلطة تطلب منهم تمويل بقائها ودفع ثمنها.








