تظاهرات لانصار مجاهدي خلق في اوروبا-
بحزاني – منى سالم الجبوري:
لم تعد معركة النظام الإيراني مع خصومه تقتصر على القمع الأمني داخل البلاد، أو على توسيع نفوذه الإقليمي عبر أذرعه المسلحة، بل امتدت إلى الفضاء الرقمي الغربي، حيث تشير تقارير وتحقيقات إلى استخدام شبكات حسابات مزيفة وانتحال هويات أجنبية للتأثير في النقاشات العامة وإثارة الانقسامات السياسية والاجتماعية. وهذه الممارسات، إذا كانت تكشف عن تطور أدوات الدعاية الإيرانية، فإنها تطرح في الوقت نفسه سؤالا أكثر عمقا: لماذا يحتاج نظام يدعي امتلاك قاعدة شعبية واسعة إلى الاستعانة بشخصيات افتراضية مستعارة لترويج روايته خارج حدوده؟
إن الإجابة لا تكمن في التكنولوجيا وحدها، بل في طبيعة الأزمة السياسية التي يعيشها النظام، وفي محاولته تعويض تراجع الثقة الشعبية بالقدرة على صناعة انطباعات مضللة في الخارج. وهنا تبرز أهمية المقاومة الإيرانية المنظمة، وفي مقدمتها منظمة مجاهدي خلق الایرانیة، بوصفها طرفا سياسيا يسعى إلى تحويل السخط الشعبي المتراكم إلى مشروع بديل عن سلطة ولاية الفقيه.
التضليل الرقمي: حين تتحول الأكاذيب إلى سياسة دولة
وفقا للتقرير، كشفت تحقيقات وأبحاث عن شبكات مرتبطة بأجهزة إيرانية استخدمت حسابات وشخصيات وهمية للتدخل في نقاشات غربية، من قضايا التمييز العنصري في الولايات المتحدة إلى الخلافات المتعلقة باستقلال اسكتلندا ومستقبل إيرلندا الشمالية. وتكمن خطورة هذه العمليات في أنها لا تكتفي بالترويج المباشر لمواقف طهران، بل تحاول ارتداء هوية المجتمعات المستهدفة، واستغلال مظالمها التاريخية والاجتماعية لتحقيق أهداف سياسية بعيدة عن مصالحها الحقيقية.
فحين ينتحل حساب هوية ناشط محلي، ويتحدث بلسان جماعة سياسية أو اجتماعية، فإن الغاية ليست بالضرورة إقناع الجمهور بوجهة نظر إيرانية معلنة، وإنما التأثير في النقاش من الداخل، وزيادة الاستقطاب، وإضعاف الثقة بين المواطنين ومؤسساتهم. وبذلك يتحول الفضاء الرقمي إلى ساحة للتدخل السياسي، تستغل فيها القضايا المشروعة لخدمة أجندات لا علاقة لها بحقوق أصحابها.
لكن المفارقة الأبرز أن النظام الذي يوظف هذه الأساليب في الخارج لا يعترف لمواطنيه بالحقوق نفسها التي يتظاهر بالدفاع عنها في البلدان الغربية. فهو يواجه الاحتجاجات الداخلية بالقمع والاعتقالات والمحاكمات، بينما يقدم نفسه، عبر أجهزته الإعلامية، مدافعا عن المظلومين وحقوق المحتجين في المجتمعات الأخرى. وهذه الازدواجية ليست مجرد خلل أخلاقي في الخطاب الرسمي، بل تعكس تناقضا بنيويا بين سلطة تخشى حرية التعبير حين تهدد بقاءها، وتستثمر فيها حين تخدم مصالحها.
لماذا يخشى النظام الإيراني الحقيقة المنظمة؟
لا ينبغي النظر إلى حملات التضليل باعتبارها دليلا منفردا على قرب انهيار النظام، لكنها تكشف عن إدراك أجهزته أن الصراع على الوعي والرواية أصبح جزءا أساسيا من الصراع على السلطة. فالنظام الذي يسعى إلى التحكم في المعلومات، وحجب أصوات المعارضين، وتشويه الاحتجاجات، يدرك أن فقدان احتكاره للرواية الرسمية قد يفتح المجال أمام اتساع دائرة الرفض الشعبي.
ومن هنا تتضح أهمية المقاومة المنظمة. فالغضب الشعبي، مهما اتسع، لا يتحول تلقائيا إلى تغيير سياسي؛ إذ يحتاج إلى تنظيم قادر على الاستمرار، وإلى خطاب يربط المطالب اليومية، من الحرية والعدالة إلى مواجهة الفساد والفقر، بقضية التغيير السياسي الشامل.
وفي هذا السياق، تقدم منظمة مجاهدي خلق نفسها باعتبارها جزءا من معادلة المعارضة المنظمة، مستندة إلى تاريخ طويل من الصراع مع النظام الإيراني، وإلى شبكة سياسية وإعلامية تسعى إلى إيصال قضية المعارضة إلى الرأي العام الدولي. وتكمن أهمية هذا الدور، من منظور أنصار المنظمة، في نقل القضية الإيرانية من حدود الاحتجاجات المتفرقة إلى مستوى الصراع على مستقبل الدولة وطبيعة نظام الحكم.
غير أن الوزن الفعلي لأي قوة معارضة لا يقاس بحضورها الإعلامي أو بنشاطها الخارجي وحدهما، بل بقدرتها على اكتساب ثقة الإيرانيين داخل البلاد، والتعبير عن تنوع المجتمع، وتقديم ضمانات واضحة بشأن الحريات والتعددية وحقوق جميع المواطنين.
وحدات المقاومة ومعركة كسر حاجز الخوف
يشير التقرير إلى دور وحدات المقاومة المرتبطة بمنظمة مجاهدي خلق في مواجهة مؤسسات القمع وإيصال رسائل الرفض السياسي. وتمثل هذه الوحدات، وفق الرؤية التي تتبناها المنظمة، امتدادا ميدانيا لمشروعها السياسي، ومحاولة لتحدي الاعتقاد بأن الأجهزة الأمنية قادرة على إحكام السيطرة على المجتمع إلى ما لا نهاية.
وتنبع أهمية العمل المقاوم المنظم من كونه يضعف، على المستوى السياسي والمعنوي، صورة السلطة التي تريد إقناع الإيرانيين بأن معارضتها مستحيلة. فكلما استطاعت المعارضة إيصال رسائلها وكشف ممارسات السلطة، ازدادت صعوبة احتكار النظام للمجال العام، حتى في ظل القيود الأمنية والرقابة على الإنترنت والإعلام.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين ما يورده التقرير عن أنشطة المقاومة وما يمكن إثباته بصورة مستقلة بشأن أثرها الميداني. كما أن تقييم دورها يتطلب النظر إلى مدى اتساع حضورها الاجتماعي، وقدرتها على التواصل مع شرائح مختلفة، وموقف الإيرانيين من برنامجها السياسي. فالمقاومة التي تطمح إلى إقامة بديل ديمقراطي لا يكفيها أن تواجه السلطة، بل يتعين عليها أيضاً أن تقنع المجتمع بأنها قادرة على بناء دولة تحترم إرادته وتنوعه.
بين معركة الرواية ومعركة البديل
إن أخطر ما تكشفه ممارسات التضليل المنسوبة إلى أجهزة النظام الإيراني هو الفجوة بين الصورة التي يريد تصديرها إلى العالم والواقع السياسي الذي يواجهه مواطنوه. فالدولة التي تستعين بهويات مستعارة للتأثير في مجتمعات أخرى، بينما تضيق على التعبير الحر في الداخل، تقدم مثالا واضحا على توظيف المعلومات لا بوصفها وسيلة للتواصل، بل أداة لإدارة الصراع وحماية السلطة.
لكن فضح التضليل وحده لا يكفي لإنهاء أسبابه. فالمواجهة الحقيقية تبدأ بكشف الانتهاكات، ودعم حق الإيرانيين في التنظيم والتعبير، ورفض ازدواجية المعايير في التعامل مع حقوق الإنسان. كما تتطلب إتاحة المجال أمام القوى المعارضة لتقديم برامجها ومساءلتها بشأن رؤيتها لمستقبل البلاد.
وهنا يتحدد التحدي أمام منظمة مجاهدي خلق وسائر قوى المعارضة: تحويل كشف تناقضات النظام إلى مشروع سياسي قادر على توحيد قطاعات واسعة من المجتمع حول مستقبل يقوم على سيادة الشعب، والتعددية، والمساواة أمام القانون، والتداول السلمي للسلطة.
إن معركة إيران اليوم ليست معركة حسابات مزيفة في الغرب فحسب، ولا مواجهة أمنية بين السلطة وخصومها فحسب؛ إنها، في جوهرها، معركة على الحقيقة والشرعية ومستقبل الحكم. وقد تنجح شبكات التضليل في إرباك النقاش العام مؤقتا، لكنها لا تستطيع وحدها معالجة أسباب الغضب الشعبي أو استعادة الثقة المفقودة.
أما المقاومة المنظمة، فإن اختبارها التاريخي لا يتمثل في قدرتها على فضح النظام فقط، بل في إثبات قدرتها على تقديم بديل يضمن للإيرانيين حقهم في اختيار حكامهم بحرية. وعند هذه النقطة تحديدا، تصبح المواجهة بين سلطة تسعى إلى إدارة الوعي بالتضليل ومجتمع يطالب باستعادة إرادته مواجهة تتجاوز حدود الدعاية الرقمية، لتلامس السؤال الأساسي: من يملك حق تقرير مستقبل إيران، أهي سلطة ولاية الفقيه أم الشعب الإيراني نفسه؟








