مضيق هرمز-
الحوار المتمدن-سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:
لم يعد المشهد الإيراني قابلا للقراءة من زاوية المواجهة مع الولايات المتحدة وحدها؛ فالتطورات الأخيرة تكشف عن أزمة تتجاوز حدود الصراع الخارجي، لتلامس قدرة النظام على إدارة شؤون الدولة والمجتمع في آن واحد. فالمفاوضات المتعثرة، والتوتر حول مضيق هرمز، والتدهور المعيشي، وهجرة الكفاءات، وتصاعد المخاوف الحقوقية، ليست أحداثا منفصلة، بل مؤشرات متداخلة على مسار يزداد تعقيدا، فيما تتقلص فرص احتواء تداعياته.
والمشكلة أن طهران تبدو منشغلة بإدارة الأزمة أكثر من انشغالها بمعالجة أسبابها، وكأن كسب الوقت يمكن أن يعوض غياب التسوية. غير أن الوقائع تشير إلى العكس: كلما طال أمد المواجهة، ازدادت الأعباء الداخلية، وأصبح الخروج من المأزق أكثر كلفة، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.
المفاوضات: تبادل الاتهامات لا يصنع تسوية
جاء تعثر المفاوضات الأميركية الإيرانية ليضيف حلقة جديدة إلى سلسلة الأزمات المفتوحة. فبينما يتهم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي واشنطن بعرقلة الدبلوماسية، تصر الإدارة الأميركية على الحصول على ضمانات تحول دون إعادة بناء القدرات النووية الإيرانية، في حين رفض الرئيس دونالد ترامب المقترح الإيراني المتعلق بفتح مضيق هرمز.
وتحاول طهران، من خلال هذا الخطاب، الظهور بمظهر الطرف الذي يسعى إلى التهدئة، وإلقاء المسؤولية عن استمرار الأزمة على الجانب الأميركي. لكن هذه الرواية لا تبدد التساؤلات بشأن دور السياسات الإيرانية في تعقيد المفاوضات، خصوصا عندما تتحول حرية الملاحة إلى ورقة ضغط، وتربط خطوات التهدئة بشروط تعيد إنتاج الخلاف بدلا من احتوائه.
ولا يعني ذلك أن واشنطن تتحمل مسؤولية أقل عن خياراتها العسكرية أو أن الضغط وحده يمكن أن يحقق استقرارا دائما. لكن جوهر المأزق يكمن في أن الطرفين يتعاملان مع التفاوض باعتباره امتدادا للصراع، لا طريقا لإنهائه. وهكذا يصبح كل مقترح مناسبة لتبادل الاتهامات، فيما تتراجع فرص بناء الثقة وتتزايد احتمالات التصعيد.
مضيق هرمز: ورقة ضغط ذات كلفة متصاعدة
في هذا السياق، يمثل مضيق هرمز اختبارا لحدود سياسة الضغط الإيرانية. فالممر الذي تتجاوز أهميته حدود المنطقة بات جزءا من المواجهة، وأصبح أمن الملاحة فيه مرتبطا بحسابات سياسية وعسكرية متشابكة.
وقد طرحت طهران مبادرة لاستئناف الملاحة، لكنها لم تنجح في تجاوز الخلافات مع واشنطن. وتكشف هذه النتيجة أن امتلاك أوراق ضغط استراتيجية لا يعني بالضرورة القدرة على توظيفها لتحقيق مكاسب مستدامة؛ فقد تتحول تلك الأوراق إلى مصدر لعزلة أوسع ومخاطر اقتصادية تطال أطرافا متعددة، بما فيها إيران نفسها.
والأخطر أن استمرار هذا الوضع يفتح الباب أمام تصعيد يصعب ضبطه، خصوصا إذا تحولت التهديدات المتبادلة إلى مواجهات جديدة. عندها لن تكون الخسائر محصورة في الحسابات العسكرية، بل ستمتد إلى التجارة والطاقة والاستقرار الإقليمي.
الاقتصاد الداخلي: الثمن الذي يدفعه المجتمع
في الداخل، تبدو الصورة أكثر قتامة. فالتقارير تشير إلى تجاوز سعر الدولار 270 ألف تومان، وإلى تخطي تكاليف المعيشة الأساسية للأسرة في بعض المناطق 85 مليون تومان شهريا. كما تضع تقديرات نحو 80 في المئة من العمال والموظفين تحت ضغط الفقر أو خطره.
ومهما كانت حدود هذه التقديرات، فإنها ترسم صورة لضغوط معيشية متصاعدة، تتسع معها الفجوة بين الأجور والأسعار، وتتراجع القدرة على تأمين الغذاء والسكن والعلاج. ولم تعد المشكلة مقتصرة على الفئات الأشد فقرا، بل باتت تمس شرائح من أصحاب الدخول الثابتة الذين يجدون أنفسهم عاجزين عن مجاراة تكاليف الحياة.
ولا يمكن رد هذه الأزمة إلى المواجهة الراهنة وحدها، إذ ترتبط أيضا باختلالات اقتصادية متراكمة. لكن استمرار الصراع يزيد حالة عدم اليقين ويضاعف مخاطر التدهور. وهنا تظهر المفارقة: بينما يركز النظام على أوراق الضغط الخارجية، تتراجع قدرة قطاعات من المجتمع على تحمل الأعباء اليومية.
هجرة الكفاءات والقمع: مؤشرات على أزمة أعمق
لا يقل نزيف الكفاءات دلالة عن التدهور المعيشي. فقد تحدث مسؤول في جامعة طهران للعلوم الطبية عن تقديرات أولية تشير إلى هجرة أكثر من عشرة آلاف من خريجي الجامعة إلى الخارج خلال سنوات مختلفة، بينهم عدد بارز من الأطباء. ورغم أن الرقم تقديري، فإن استمرار هذه الظاهرة يثير مخاوف بشأن قدرة إيران على الاحتفاظ بمواردها البشرية والعلمية.
وفي موازاة ذلك، حذرت منظمة العفو الدولية من أن عشرين شخصا على الأقل يواجهون خطر الإعدام الوشيك على خلفية احتجاجات يناير/كانون الثاني 2026، مشيرة إلى إعدام 34 شخصا على الأقل في قضايا مرتبطة بالاحتجاجات، وإلى اتهامات بالتعذيب وانتزاع اعترافات قسرية وانتهاك ضمانات المحاكمة العادلة.
وتتضح هنا أبعاد الأزمة الداخلية: ضغوط اقتصادية تدفع المواطنين إلى البحث عن فرص خارج البلاد، ومخاوف حقوقية تعمق الهوة بين السلطة وقطاعات من المجتمع. وفي مثل هذه الظروف، لا يؤدي التشدد وحده إلى معالجة الاحتقان، بل قد يزيده ويجعل احتواءه أكثر صعوبة.
نظام يربح الوقت ويخسر فرص المعالجة
إن جمع هذه المؤشرات يكشف أن التحدي الذي تواجهه إيران لا يتعلق بنتيجة المفاوضات فحسب، بل بقدرة النظام على مراجعة نهجه في إدارة الدولة والأزمات. فحتى لو تحقق اختراق دبلوماسي، فإن آثاره لن تكون كافية لمعالجة الفقر والتضخم وهجرة الكفاءات ومشكلات الثقة الداخلية من دون تغييرات أوسع.
وفي المقابل، فإن استمرار المواجهة العسكرية لن يقدم ضمانة للاستقرار، بل قد يضاعف الخسائر ويجعل التسوية أكثر تعقيدا. لذلك فإن المخرج يتطلب التزامات متبادلة قابلة للتحقق، إلى جانب سياسات داخلية تعطي الأولوية للاحتياجات المعيشية واحترام الحقوق.
إن المؤشر الأشد خطورة ليس تعثر المفاوضات وحده، بل تزامنه مع تدهور داخلي يجعل كل أزمة عبئا إضافيا على الأخرى. وإذا واصلت طهران التنصل من مسؤوليتها وإلقاء اللوم على خصومها، فإنها قد تكسب وقتا في المواجهة، لكنها لن توقف تراكم الأثمان في الداخل.
وهكذا، تقف إيران أمام مأزق تتقلص فيه الخيارات كلما طال الانتظار: تسوية خارجية لا تزال بعيدة، وأزمات داخلية تزداد ثقلا، ومجتمع يتحمل جانبا متناميا من الكلفة. وما لم تنتقل القيادة من سياسة المناورة إلى معالجة الأسباب الحقيقية للأزمة، فإن استمرار هذا المسار سيجعل الانفراج أصعب، ويزيد مخاطر الاضطراب على إيران والمنطقة بأسرها.








