مريم رجوي الرئيسة الجمهورية لإيران المستقبل

مريم رجوي

اجتماع إيران حرة 2023: إلى الأمام نحو جمهورية ديمقراطية

المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية

ماتثير الإعجاب بشأن مجاهدي خلق

أحدث الاخبارإيران في قبضة الرقابة: حين يصبح حجب الحقيقة شرطا لبقاء السلطة

إيران في قبضة الرقابة: حين يصبح حجب الحقيقة شرطا لبقاء السلطة

الحوار المتمدن-سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:
ليس القمع السياسي في إيران مجرد ملاحقة للمعارضين أو اعتقال للمتظاهرين، بل هو منظومة متكاملة تستهدف الفكر والكلمة والمعلومة، وتسعى إلى إخضاع المجال العام لرقابة السلطة الدينية. فالنظام الذي يضيق على حرية التعبير، ويلاحق أصحاب الرأي المخالف، ويحجب المنصات الرقمية، لا يكتفي بمصادرة حق المواطن في الاعتراض، بل يحاول أيضا حرمانه من الوسائل التي تمكّنه من معرفة ما يجري حوله ونقل الحقيقة إلى الآخرين.
وتكشف التطورات المتصلة بالإنترنت الفضائي، ولا سيما شبكة “ستارلينك”، جانبًا مهما من هذه المعركة بين سلطة تريد التحكم في تدفق المعلومات ومجتمع يتطلع إلى فضاء أوسع من الحرية. فالقضية لم تعد تقنية بحتة، بل باتت تمس جوهر العلاقة بين الدولة والمواطن: هل يحق للسلطة أن تحدد ما يقرأه الناس، وما يشاهدونه، وما يستطيعون نشره، ومن يحق لهم التواصل معه؟
لقد وثقت منظمات حقوقية دولية، بينها هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، استخدام السلطات الإيرانية حجب الإنترنت وفرض قيود واسعة على الاتصالات، بالتزامن مع حملات القمع والاعتقالات. وفي مارس/آذار 2026، حذرت هيومن رايتس ووتش من أن انقطاع الإنترنت والقيود المفروضة على الاتصالات يعرضان المدنيين للخطر، ويعيقان توثيق الانتهاكات والوصول إلى المعلومات المستقلة. كما وثقت منظمة العفو الدولية تجريم السلطات محاولات الالتفاف على القيود الرقمية، بما في ذلك استخدام الإنترنت الفضائي.
إن السلطة التي تخشى الكلمة الحرة لا تحارب المعلومات فحسب، بل تحارب حق الإنسان في تكوين رأيه المستقل.
ومن هنا يمكن فهم حساسية النظام الإيراني تجاه التقنيات التي تتيح الاتصال خارج البنية التقليدية التي تسيطر عليها الدولة. فشبكة “ستارلينك”، التي تعتمد على الأقمار الصناعية لتوفير الإنترنت، تقدم لبعض المستخدمين مسارا بديلا للوصول إلى الشبكة العالمية، بما قد يساعد الصحفيين والمواطنين على نقل الصور والشهادات والمعلومات إلى الخارج، خصوصا عندما تتعرض الشبكات المحلية للحجب أو الانقطاع.

وقد اكتسب هذا الملف بعدا دبلوماسيا جديدا في أكتوبر/تشرين الأول 2026، عندما استدعت وزارة الخارجية الإيرانية السفير النرويجي للاحتجاج على استمرار نشاط “ستارلينك” داخل البلاد، متهمة أوسلو بعدم اتخاذ إجراءات لمنع ما وصفته طهران بالإرسال غير المصرح به. وأعقب ذلك تصعيد في الخطاب الإيراني بشأن الشبكة وبنيتها التحتية.
وبصرف النظر عن الحجج القانونية والتنظيمية التي تسوقها السلطات، فإن السؤال الأساسي يبقى: لماذا تتحول وسيلة اتصال إلى قضية أمنية بهذا الحجم عندما يستخدمها المواطن للوصول إلى المعلومات؟ إن السيادة الوطنية لا ينبغي أن تكون ذريعة لإقامة جدار رقابي يعزل المجتمع عن العالم، كما أن الأمن لا يمكن أن يبرر تجريم الحق في المعرفة أو تحويل التواصل الرقمي إلى مصدر للخوف والملاحقة.
ومع ذلك، لا ينبغي المبالغة في تصوير الإنترنت الفضائي بوصفه حلا سحريا. فهذه التقنية ليست بمنأى عن التشويش والمراقبة، ولا تضمن حماية مستخدميها من التعرف إليهم أو ملاحقتهم. وقد أشار تحليل نشره موقع “كونفرسيشن” في يناير/كانون الثاني 2026 إلى أن السلطات الإيرانية تمكنت من تعطيل الاتصالات الفضائية بدرجات متفاوتة خلال فترات الانقطاع الواسع، ما يؤكد أن تجاوز الرقابة معركة تقنية مستمرة، لا انتصارا مضمونا بضغطة زر.
لكن أهمية هذه الوسائل تتجاوز قدرتها التقنية المباشرة؛ فهي تضعف احتكار الدولة للمعلومة، وتمنح الأصوات المستقلة فرصة إضافية لإيصال رواياتها. وعندما تنتشر شهادات المعتقلين وأسرهم، وتصل صور الاحتجاجات إلى وسائل الإعلام والمنظمات الحقوقية، يصبح من الأصعب إبقاء الانتهاكات بعيدة عن الرقابة الدولية. فالتعتيم لا يمحو ما حدث، لكنه قد يؤخر كشفه ويمنح المسؤولين عن الانتهاكات فرصة للإفلات من المساءلة.
ولا ينفصل هذا القمع الرقمي عن القمع الفكري والسياسي الأوسع. فحين تحاصر الصحافة المستقلة، ويضيق على الناشطين، وتلاحق الآراء المخالفة، يصبح حجب الإنترنت حلقة أخرى في سلسلة تهدف إلى تقليص مساحة المجتمع المستقل. والنتيجة ليست حماية الاستقرار، بل تعميق انعدام الثقة بين السلطة والمواطن، وتوسيع الهوة بين خطاب رسمي يتحدث باسم الدين والثورة، وواقع يطالب فيه الناس بحقوق أساسية لا ينبغي أن تكون موضع مساومة.
إن الحرية لا تعني الفوضى، والديمقراطية لا تعني غياب القانون؛ بل تعني أن يخضع القانون للمساءلة، وأن يتمكن المواطن من انتقاد السلطة دون خوف، وأن تكون وسائل الإعلام قادرة على كشف التجاوزات، وأن يحتكم المجتمع إلى إرادته الحرة في تقرير مستقبله.
إن أخطر ما تواجهه السلطة المستبدة ليس طبقا لالتقاط الإنترنت من الفضاء، بل عقلا يرفض الوصاية، ومواطنا يطالب بحقه في معرفة الحقيقة. فالأقمار الصناعية قد تفتح نافذة على العالم، لكن بناء مجتمع حر يتطلب أكثر من التكنولوجيا: يتطلب ضمانات قانونية، ومؤسسات مستقلة، وقضاء نزيها، واحتراما للتعددية وحق الاختلاف.
وستظل معركة الإيرانيين من أجل حرية الفكر والتعبير مرتبطة بهذا السؤال الجوهري: هل تكون التكنولوجيا أداة في يد السلطة لعزل المجتمع، أم وسيلة في يد المجتمع لتوسيع أفقه واستعادة حقه في المعرفة؟ إن الإجابة الديمقراطية واضحة: لا شرعية لرقابة تجعل الحقيقة امتيازا تمنحه السلطة متى شاءت، ولا استقرار مستداما يقوم على إسكات الناس بدل الإصغاء إليهم.