تظاهرات شعبیة في ایران-
الحوار المتمدن-سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:
لم تعد المخاوف التي تعيشها السلطة في إيران تقتصر على التحديات الاقتصادية أو الخلافات السياسية داخل مؤسسات الحكم، بل باتت ترتبط بصورة متزايدة باحتمال انتقال الأزمات المتراكمة من مستوى السخط الاجتماعي إلى مستوى الاحتجاجات الواسعة. ولعل التحذير الذي أطلقه رئيس السلطة القضائية، غلام حسين محسني إيجئي، في الخامس من أكتوبر/تشرين الأول، من اتخاذ إجراءات أو مواقف من شأنها “إغضاب الناس”، يمثل أحد أكثر المؤشرات وضوحا على حساسية النظام تجاه الشارع في هذه المرحلة.
فمثل هذا التحذير، الصادر عن رأس المؤسسة القضائية، لا يمكن قراءته بمعزل عن الوضع الاقتصادي والاجتماعي المتدهور. ووفق الأرقام الواردة في التقرير، تجاوز التضخم في بعض السلع الأساسية 150 إلى 160 في المائة، فيما وصل سعر الدولار في السوق الحرة إلى نحو 270 ألف تومان. وبينما تتراجع القدرة الشرائية للأسر وتتزايد الضغوط على العمال والمتقاعدين، تجد الحكومة نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد: فهي مطالبة باحتواء الغضب الاجتماعي في وقت تتقلص فيه قدرتها على تقديم حلول اقتصادية سريعة.
وقد كشف علي بابائي كارنامي، رئيس اللجنة الاجتماعية في البرلمان، عن حجم القلق داخل المؤسسة التشريعية نفسها، عندما أشار إلى أن فئات اجتماعية، من بينها العمال والمتقاعدون، ما زالت تتحمل الضغوط بصعوبة. والأهم في هذه التصريحات ليس الرقم وحده، وإنما الاعتراف بأن استمرار الظروف الحالية يمكن أن يؤدي إلى نتائج اجتماعية و سياسية أكثر خطورة.
الاقتصاد يتحول إلى مصدر للقلق السياسي
تزداد خطورة الوضع عندما يترافق التضخم مع تراجع قيمة العملة واتساع الفجوة بين دخول المواطنين وتكاليف المعيشة. فالأزمة الاقتصادية في هذه الحالة لا تبقى شأنا ماليا، وإنما تتحول تدريجيا إلى قضية ثقة بين المجتمع والسلطة.
وتبدو الحكومة الإيرانية أمام مشهد متشابك: ارتفاع الأسعار، تراجع قيمة العملة، الضغوط الناجمة عن العقوبات، ومشكلات إدارة الموارد والعائدات النفطية. وفي مثل هذه الظروف يصبح أي قرار يتعلق برفع الأسعار أو تقليص الدعم أو فرض قيود جديدة قابلا لأن يتحول إلى شرارة احتجاج اجتماعي.
ولا يقل خطورة عن ذلك ما تكشفه الخلافات داخل مؤسسات الدولة بشأن إدارة الموارد العامة. فالقضايا المرتبطة بعائدات النفط، والملفات المالية والجمركية، والشركات الحكومية الخاسرة، تعطي الانطباع بوجود أزمة أعمق من مجرد نقص في الموارد؛ إنها أزمة في إدارة تلك الموارد وفي قدرة المؤسسات على إقناع المواطنين بأن الأعباء موزعة بصورة عادلة.
صراع المؤسسات يكشف عمق الأزمة
إن الحديث عن عشرات الملفات القضائية المتعلقة بمخالفات مالية، واسترداد مبالغ كبيرة، إلى جانب وجود شركات حكومية خاسرة تستمر في دفع مكافآت ومزايا لمديريها، يعكس مشكلة مؤسسية لا يمكن اختزالها في حالات فساد فردية.
فالسلطة التي تطلب من المواطنين تحمل أعباء اقتصادية متزايدة تحتاج في المقابل إلى تقديم صورة واضحة عن كيفية إدارة المال العام. وكلما ظهرت فضائح مالية جديدة، اتسعت المسافة بين الخطاب الرسمي والواقع الذي يعيشه المواطن.
ومن هنا يمكن فهم حدة الصراعات التي تظهر أحيانا داخل البرلمان والحكومة ومؤسسات الدولة. فعندما تتراجع القدرة على تقديم حلول اقتصادية مقنعة، يصبح تبادل الاتهامات وسيلة لتحميل طرف آخر مسؤولية الأزمة. لكن هذا النوع من الصراع لا يحل المشكلة، بل قد يزيد من شعور المجتمع بأن مؤسسات الدولة نفسها تعاني من حالة ارتباك.
من معالجة الأزمة إلى تشديد القبضة الأمنية
وفي مواجهة الضغوط الاجتماعية، يبدو أن السلطة تراهن، إلى جانب الإجراءات الاقتصادية، على تشديد الأدوات الأمنية والقانونية. وتصريحات قادة الأجهزة الأمنية حول “الحرب الاقتصادية”، وتشديد الإجراءات ضد ما تعتبره السلطة احتكارا أو تخريبا اقتصاديا، فضلا عن توسيع القيود المتعلقة بالإعلام وتسريب المعلومات، كلها تشير إلى أن النظام يتعامل مع جزء من الأزمة باعتبارها قضية أمنية.
غير أن التجارب السابقة في إيران، وكذلك في دول أخرى، تظهر أن الأمن وحده لا يستطيع معالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية للاحتجاج. فالإجراءات الأمنية قد تحد من مظاهر الغضب لفترة معينة، لكنها لا تلغي الأسباب التي أنتجته. وعندما تكون المشكلة مرتبطة بالبطالة والتضخم وانخفاض القدرة الشرائية والفساد وفقدان الثقة، فإن الحل الأمني يبقى مؤقتا بطبيعته.
وهنا تبرز أهمية تحذير إيجئي من “إغضاب الناس”. فالرجل الذي يقود المؤسسة المسؤولة عن تطبيق القانون لا يتحدث في فراغ؛ وإنما يعكس، على الأرجح، إدراكا داخل دوائر السلطة بأن قدرة الشارع على تحمل الأعباء ليست بلا حدود.
الخوف الحقيقي ليس من الاحتجاج وحده
المسألة الأكثر أهمية ليست مجرد احتمال خروج المواطنين إلى الشوارع، وإنما احتمال أن تتزامن الاحتجاجات الاقتصادية مع انقسامات داخلية في مؤسسات الحكم. ففي الأزمات العميقة يصبح تماسك السلطة عاملا حاسما في قدرتها على احتواء أي موجة احتجاج.
وإذا تزامنت الضغوط المعيشية مع صراعات بين الحكومة والبرلمان، وخلافات حول إدارة الموارد النفطية، وملفات فساد، وتراجع الثقة بالمؤسسات، فإن المشكلة تصبح أكبر من مجرد أزمة أسعار.
ولهذا يمكن قراءة التحذيرات الأخيرة بوصفها رسالة مزدوجة: رسالة إلى الشارع مفادها أن السلطة تدرك حجم المعاناة، ورسالة إلى مؤسسات الدولة نفسها بضرورة تجنب قرارات قد تكون لها آثار سياسية غير محسوبة.
اختبار صعب أمام النظام
في النهاية، يقف النظام الإيراني أمام اختبار بالغ الصعوبة. فالاقتصاد يحتاج إلى إصلاحات عميقة، بينما تتطلب الإصلاحات الحقيقية قرارات قد تكون مكلفة سياسيا. والشارع يريد تحسينا ملموسا في مستوى المعيشة، في حين أن قدرة الحكومة على تحقيق ذلك سريعا محدودة بفعل العقوبات ومشكلات العملة والاختلالات البنيوية والفساد والصراعات الداخلية.
ومن هنا تبدو عبارة «لا تغضبوا الناس» أكثر من مجرد نصيحة سياسية عابرة. إنها تعبير عن إدراك متزايد بأن العامل الاقتصادي أصبح مرتبطا مباشرة بالاستقرار السياسي.
فحين ترتفع الأسعار بصورة تفوق قدرة المواطنين على الاحتمال، وتتراجع قيمة العملة، وتتكرر فضائح الفساد، وتتسع الفجوة بين المجتمع ومؤسسات الحكم، فإن الاحتجاج لا يعود حدثا منفصلا يمكن احتواؤه بإجراءات أمنية فقط، بل يصبح نتيجة محتملة لتراكم طويل من الأزمات.
ولذلك فإن السؤال الذي يواجه السلطة الإيرانية اليوم لا يتمثل فقط في كيفية منع احتجاج جديد، وإنما في كيفية معالجة الأسباب التي تجعل الاحتجاج ممكنا أصلا. وإذا استمر التدهور الاقتصادي والسياسي والأمني من دون معالجة جذرية، فإن تحذيرات قادة النظام من “إغضاب الشعب” قد تتحول بحد ذاتها إلى مؤشر على حجم القلق الذي أصبح يخيم على قمة السلطة.








