مريم رجوي الرئيسة الجمهورية لإيران المستقبل

مريم رجوي

اجتماع إيران حرة 2023: إلى الأمام نحو جمهورية ديمقراطية

المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية

ماتثير الإعجاب بشأن مجاهدي خلق

أحدث الاخبارأحدث الاخبار: اخبار المقاومة الايرانيةكيف تغيرت معادلة الأمن الداخلي في إيران؟

كيف تغيرت معادلة الأمن الداخلي في إيران؟

صورة للاحتجاجات الشعبیة فی ایران-

الحوار المتمدن-سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:
قد لا يكون أكثر ما يلفت الانتباه في التطورات الإيرانية الأخيرة هو الحديث عن تعزيز قوات الأمن أو زيادة تجهيزات الباسيج، وإنما انتقال مفهوم الأمن نفسه إلى مستوى أكثر التصاقا بالحياة اليومية للإيرانيين. فحين يصبح الحي والمسجد والمدرسة جزءا من منظومة الوقاية من الاضطرابات، فإن ذلك يعني أن السلطة تنظر إلى احتمال الاحتجاج باعتباره قضية تبدأ قبل وصول الناس إلى الشارع.
هذه النقلة تكشف جانبا مهما من طبيعة المرحلة الراهنة. فالسلطات الإيرانية لا تتعامل فقط مع احتجاج قائم، بل مع احتمال عودة الاحتجاج، وتحاول بناء شبكة تمنع تشكلها أو تسرع في اكتشافها واحتوائها. ومن هذه الزاوية، تصبح الدعوة إلى مراقبة الأحياء وإبلاغ الأجهزة الأمنية عن التحركات المشبوهة جزءا من منظومة أوسع لإعادة تنظيم المجال الاجتماعي حول الاعتبارات الأمنية.
وقد ظهر هذا الاتجاه بوضوح في تصريحات المسؤول الإيراني علي آقا محمدي، الذي حذر من وجود مجموعات مسلحة قال إنها مدربة في إسرائيل والإمارات ودخلت إيران، ودعا المواطنين إلى الإبلاغ عن أي تحركات مشبوهة. لكن هذه المزاعم لم تدعم بأدلة مستقلة منشورة، الأمر الذي يجعلها، في الوقت الراهن، رواية صادرة عن مسؤول إيراني ينبغي التعامل معها باعتبارها كذلك.
واللافت أن خطاب الخطر الخارجي يتزامن مع خطر آخر أكثر قربا من حياة الناس: الضائقة الاقتصادية. فالتقارير الواردة من داخل إيران تتحدث عن تراجع القدرة الشرائية وارتفاع أسعار السلع والأدوية، فيما تواجه البلاد ضغوطا إضافية نتيجة العقوبات والقيود على صادرات النفط والتجارة.
وهنا تبرز المفارقة الأساسية: كلما أصبحت الأزمة المعيشية أكثر حضورا في حياة المواطنين، ازداد اعتماد الخطاب الرسمي على مفردات الأمن والتهديد الخارجي. لكن تفسير الاحتجاجات المحتملة من خلال المؤامرات الخارجية وحدها لا يلغي الأسباب الداخلية التي يمكن أن تدفع الناس إلى الاحتجاج.
ثمة زاوية أخرى لا تقل أهمية، وهي أن السلطات تبدو وكأنها تستعد لسيناريو طويل الأمد، لا لمواجهة اضطراب عابر. فتدريب متطوعين ضمن مشروع “جان‌فدا”، وربط هذه المبادرات بالباسيج، يشير إلى محاولة إنشاء طبقات إضافية من الاستعداد المجتمعي والأمني. وقد أفادت تقارير إيرانية ببدء تدريب متطوعين في طهران على استخدام الأسلحة ومهارات دفاعية ضمن هذا الإطار.
غير أن عسكرة المجال المدني تحمل في المقابل كلفة اجتماعية. فعندما يطلب من المواطن أن يراقب جاره، ومن الحي أن يتحول إلى وحدة أمنية، ومن المؤسسات الاجتماعية إلى نقاط رصد، فإن الحدود بين الحياة المدنية والعمل الأمني تصبح أقل وضوحا. وقد يؤدي ذلك إلى خلق مناخ من الشك المتبادل، خصوصا في مجتمع يعاني أصلا من الاستقطاب السياسي والاقتصادي.
أما على المستوى الخارجي، فإن الأزمة الداخلية لا يمكن فصلها عن التوتر المتواصل مع الولايات المتحدة. فطهران وواشنطن ما زالتا تواجهان خلافات بشأن إنهاء الحرب والعقوبات والبرنامج النووي ومضيق هرمز، فيما تتواصل محاولات الوساطة للوصول إلى صيغة تفاهم.
وهذا التشابك بين الداخل والخارج يجعل مهمة صانع القرار الإيراني أكثر تعقيدا. فالحرب والضغط الاقتصادي يرفعان منسوب القلق داخل المجتمع، والقلق الاجتماعي يدفع إلى مزيد من الإجراءات الأمنية، بينما تؤدي الإجراءات الأمنية بدورها إلى إبقاء العلاقة بين السلطة وقطاعات من المجتمع في حالة توتر.
ولعل التطور الأكثر دلالة هو أن السلطات لا تنتظر الاحتجاج حتى يبدأ كي تتعامل معه؛ إنها تعيد ترتيب مؤسسات المجتمع تحسبا لحدوثه. وهذا يعني أن معركة الأمن الداخلي أصبحت، في نظر صانع القرار، معركة استباقية بالدرجة الأولى.
لكن التجارب التاريخية تشير إلى أن الأمن يمكن أن يحد من مظاهر الاحتجاج لفترة، لكنه لا يعالج وحده جذور الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ولذلك فإن مستقبل الوضع الإيراني لن تحدده كمية المعدات التي تحصل عليها الأجهزة الأمنية فقط، بل أيضا قدرة الدولة على تخفيف الضغوط المعيشية، وإدارة التوترات الداخلية، وفتح مسارات أكثر فاعلية لمعالجة مطالب المجتمع.
في نهاية المطاف، تبدو إيران أمام معادلة دقيقة: دولة تستعد لاحتمال اتساع الاضطرابات، ومجتمع يعيش تحت ضغط اقتصادي متزايد، وبيئة إقليمية متوترة. وبين هذه العوامل الثلاثة تتشكل المرحلة المقبلة؛ مرحلة سيكون فيها السؤال الأهم ليس فقط: هل تستطيع الدولة احتواء الاحتجاج؟ بل أيضا: إلى متى يمكن أن يبقى الأمن هو الأداة الرئيسية لإدارة أزمة تتداخل فيها السياسة والاقتصاد والمجتمع؟ اقرأ في السياسة