الحوار المتمدن-سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:
تدخل إيران خريف عام 2026 وسط مشهد داخلي شديد الحساسية، تتقاطع فيه الضغوط الاقتصادية مع التوترات الأمنية وتعثر المسارات السياسية الخارجية. وفي مثل هذه الظروف، تبدو الإجراءات التي تتخذها مؤسسات الدولة في الداخل أكثر دلالة من الخطابات السياسية نفسها؛ إذ إن اتساع الحديث الرسمي عن ضرورة الاستعداد للاضطرابات، وتعزيز قدرات الأجهزة الأمنية، وإشراك الأحياء والمساجد والمدارس في منظومة المراقبة، يعكس إدراكا متزايدا لحجم التحديات التي تواجهها السلطة.
وفي الأول من أكتوبر، تحدث الرئيس مسعود بزشكيان، خلال اجتماع مع مسؤولي المدن الكبرى، عن تفعيل طاقات الأحياء والمساجد والمدارس في مجال حفظ الأمن والتعامل المبكر مع ما تصفه السلطات بالاضطرابات. وبصرف النظر عن التسمية الرسمية، فإن توسيع الدور الأمني ليشمل مؤسسات مدنية واجتماعية يحمل دلالة مهمة: فالدولة لا تريد انتظار الاحتجاج في الشارع، وإنما تسعى إلى بناء منظومة رصد واحتواء تبدأ من البيئة المحلية نفسها.
ويتزامن ذلك مع خطاب أمني أكثر تشددا. فقد دعا مسؤول إيراني بارز، علي آقا محمدي، المواطنين إلى مراقبة التحركات التي وصفها بالمشبوهة في أحيائهم، مدعيا دخول مجموعات مسلحة مدربة في الخارج إلى البلاد. غير أن هذه المزاعم لم تدعم، وفق التقارير المنشورة، بأدلة علنية مستقلة تحدد هوية تلك المجموعات أو عدد أفرادها أو أماكن انتشارها.
وتكتسب هذه التصريحات أهميتها من كونها تصدر في وقت أصبحت فيه السلطات الإيرانية تواجه ضغوطا متزامنة. فالحرب والعقوبات والقيود المفروضة على الاقتصاد أضعفت قدرة البلاد على تجاوز أزماتها المعيشية، بينما أشارت تقارير حديثة إلى استمرار تراجع العملة وارتفاع أسعار السلع والأدوية وتزايد الصعوبات الاقتصادية.
ومن هنا يمكن فهم التركيز المتزايد على الأمن الداخلي باعتباره جزءا من إدارة أزمة أوسع. فكلما ازدادت الضغوط الاقتصادية، تصبح قدرة السلطة على منع انتقال السخط الاجتماعي من مطالب معيشية متفرقة إلى احتجاجات واسعة أكثر أهمية بالنسبة إليها.
وليس البرلمان بعيدا عن هذا المشهد؛ إذ تتزايد الدعوات إلى تعزيز قدرات قوات الأمن والتعبئة وتحسين تجهيزاتها. كما ظهرت في طهران مراكز لتدريب متطوعين ضمن مشروع “جانفدا”، الخاضع لإشراف الباسيج، على مهارات عسكرية ودفاعية. وتكشف هذه الإجراءات عن اتجاه نحو توسيع قاعدة القوى التي يمكن للسلطة الاعتماد عليها في مواجهة المخاطر الأمنية، سواء كانت خارجية أم داخلية.
لكن المشكلة الأعمق تتمثل في أن الأمن لا يستطيع بمفرده معالجة جذور الأزمة. فالأزمات الاقتصادية، وفقدان الثقة، وتراكم الاحتقان الاجتماعي، لا تختفي بمجرد زيادة نقاط التفتيش أو توسيع المراقبة المحلية. بل إن الإفراط في المقاربة الأمنية قد يؤدي، في بعض الظروف، إلى زيادة المسافة بين مؤسسات الدولة وقطاعات من المجتمع.
ويأتي ذلك في وقت لا تزال فيه آثار احتجاجات يناير 2026 حاضرة بقوة. فقد أعلنت السلطات الإيرانية في الخامس من أكتوبر تنفيذ حكمي إعدام بحق رجلين قالت إنهما أدينا بجرائم مرتبطة بتلك الاحتجاجات، في خطوة تعكس استمرار النهج القضائي الصارم تجاه المشاركين في الاضطرابات.
وهكذا تبدو إيران أمام معادلة معقدة: سلطة تزيد من جاهزيتها الأمنية خشية عودة الاحتجاجات، ومجتمع يواجه ضغوطا اقتصادية ومعيشية متصاعدة، وبيئة إقليمية ودولية لا تزال شديدة التوتر.
ولذلك فإن السؤال الأساسي لم يعد يتعلق فقط بقدرة الأجهزة الأمنية على احتواء أي احتجاج محتمل، بل بقدرة الدولة على معالجة الأسباب التي تجعل الاحتجاج ممكنا أصلا. فاستقرار أي مجتمع لا يقاس بعدد القوات المنتشرة في شوارعه، وإنما بمدى قدرة مؤسساته على امتصاص الأزمات وتوفير الحد الأدنى من الثقة والقدرة على الاستجابة للمطالب الاجتماعية.
وإذا استمرت الضغوط الاقتصادية والسياسية بالتزامن مع اتساع الإجراءات الأمنية، فإن الداخل الإيراني سيبقى أحد أكثر ملفات المرحلة حساسية، ليس بالنسبة إلى السلطة وحدها، بل بالنسبة إلى مستقبل العلاقة بين الدولة والمجتمع في إيران.








