مريم رجوي الرئيسة الجمهورية لإيران المستقبل

مريم رجوي

اجتماع إيران حرة 2023: إلى الأمام نحو جمهورية ديمقراطية

المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية

ماتثير الإعجاب بشأن مجاهدي خلق

أحدث الاخبارولاية الفقيه حين تسقط من الرأس إلى الشارع

ولاية الفقيه حين تسقط من الرأس إلى الشارع

الحوار المتمدن- سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:
أزمة الفكرة التي قامت عليها الجمهورية الإسلامية
لم تبدأ أزمة نظام ولاية الفقيه يوم خرج الإيرانيون إلى الشوارع، ولم تبدأ مع انهيار العملة أو اتساع الفقر أو العقوبات أو حتى مع الحروب التي أخذت تطرق أبواب إيران. تلك كلها مظاهر لأزمة أعمق. الأزمة الحقيقية بدأت يوم أخذت الفكرة التي أراد لها الخميني أن تكون العمود الفقري للجمهورية الإسلامية تفقد قدرتها على إقناع المجتمع.
فالنظام يستطيع أن يواجه احتجاجا، وأن يعتقل ناشطين، وأن يغلق صحيفة، وأن يقطع الإنترنت، وأن يرفع منسوب القمع. لكنه يواجه مشكلة مختلفة تماما عندما يبدأ السؤال نفسه الذي قام عليه النظام بفقدان مكانته في وعي الناس: لماذا ينبغي أن يكون الفقيه هو صاحب الكلمة العليا في الدولة والمجتمع؟
هنا تحديدا تبدأ الحكاية الأخطر.
ولاية الفقيه لم تكن مجرد مادة في الدستور الإيراني. كانت محاولة لتحويل نظرية دينية إلى نظام حكم، وتحويل المرجعية الدينية إلى سلطة سياسية، وإقناع المجتمع بأن طاعة الولي الفقيه ليست خيارا سياسيا فحسب، وإنما امتداد لمشروع ديني وثوري. وعلى مدى عقود، جرى بناء مؤسسات وأجهزة أمنية وإعلامية وتعليمية واقتصادية هائلة لحماية هذه المعادلة.
لكن السنوات الأخيرة كشفت أن كل هذا البناء لم يمنع شيئا أساسيا: الفكرة نفسها بدأت تفقد جاذبيتها خارج دوائر السلطة.
والأرقام هنا أكثر قسوة من الشعارات.
ففي استطلاع أجراه “گمان” في يونيو/حزيران 2024، شمل أكثر من 77 ألف مشارك داخل إيران، قال نحو 70% إنهم يعارضون استمرار الجمهورية الإسلامية، بينما تراجع تأييد “مبادئ الثورة الإسلامية والمرشد الأعلى” إلى نحو 11%، بعدما كان 18% في قياس سابق عام 2022. كما أظهر الاستطلاع معارضة واسعة للحكم القائم على الشريعة الدينية وللحكم العسكري.

لكن التطور الأكثر دلالة جاء في استطلاع “گمان” الذي أجري في يونيو/حزيران 2026، بعد احتجاجات يناير/كانون الثاني والحرب التي استمرت 39 يوما. فقد بلغت نسبة من عرفوا أنفسهم بأنهم يريدون تغيير النظام باعتباره شرطا لأي تغيير نحو 47%، فيما بلغت نسبة من يريدون تحولات بنيوية والانتقال من الجمهورية الإسلامية نحو 23%. وفي المقابل، لم تتجاوز نسبة المؤيدين للإصلاح التدريجي داخل النظام نحو 10%، بينما بلغت نسبة المؤيدين لمبادئ الثورة وسياسات النظام والقيادة نحو 9%.
هذه ليست مجرد أرقام انتخابية.
إنها إشارة إلى أن المعركة انتقلت من “من يحكم إيران؟” إلى “أي نظام يجب أن يحكم إيران؟”.
وهذه النقلة هي التي تجعل أزمة ولاية الفقيه مختلفة عن أزمات الحكومات السابقة. فحين يغضب المواطن من حكومة، يمكن تغيير الحكومة. وحين يفشل وزير، يمكن استبداله. وحتى حين يفشل رئيس، يمكن إقصاؤه في الانتخابات. أما حين تصبح المشكلة في البنية التي تحدد مسبقا حدود السياسة ومصدر القرار، فإن تغيير الوجوه لا يعود كافيا.
من الدولة الدينية إلى المجتمع الذي يريد أن يعيش
ربما كانت المسألة الاجتماعية أكثر خطورة على ولاية الفقيه من المسألة السياسية نفسها.
فالأجيال الإيرانية الجديدة لم تعد تعيش في البيئة التي عاش فيها جيل الثورة. الإنترنت، والهجرة، والجامعات، ووسائل التواصل الاجتماعي، واتساع الاحتكاك بالعالم، كلها كسرت جزءا كبيرا من الجدار الذي حاول النظام أن يعزل المجتمع خلفه.
ولهذا لم تكن قضية الحجاب وحدها هي المشكلة. الحجاب أصبح رمزا لصراع أكبر حول السؤال: من يقرر كيف يعيش الإيراني؟
ومن هنا اكتسبت الشعارات التي أطلقت في إنتفاضة 2022، قوتها؛ لأنها لم تكن مجرد احتجاج على قانون محدد، وإنما تحول إلى تعبير عن رفض الوصاية على الحياة اليومية.
وفي استطلاع “گمان” لعام 2026، حظي شعار “المرأة، الحياة، الحرية” بتأييد نحو 74% من المشاركين، بينما بلغت نسبة قبول شعار “الموت للديكتاتور” نحو 79%. وفي المقابل، واجهت شعارات مرتبطة مباشرة بخطاب الجمهورية الإسلامية مستويات مرتفعة من الرفض.
وهنا تصل ولاية الفقيه إلى واحدة من أصعب لحظاتها: لم تعد المشكلة أن الشارع يعارض سياسة النظام، بل أن قطاعات واسعة من الشارع لم تعد ترى الخطاب الذي يمنح النظام شرعيته خطابا يمثلها.
حين يصبح المرشد عنوانا للأزمة
على مدى عقود، كان المرشد الأعلى هو مركز الثقل الذي تدور حوله مؤسسات الجمهورية الإسلامية. لكن مركزية المرشد نفسها بدأت تتحول إلى عبء سياسي.
فكلما تم تركيز السلطة في موقع واحد، أصبح فشل النظام مرتبطا بصورة أكبر بهذا الموقع. وكلما أصبحت القرارات الكبرى مرتبطة بالمرشد والمؤسسات الخاضعة له، أصبح من الصعب على النظام أن يحمل حكومة أو وزيرا وحده مسؤولية النتائج.
وهذا ما ظهر بوضوح في استطلاع “گمان” بعد حرب الاثني عشر يوما عام 2025، حيث قال 58% من المشاركين إنهم يقيمون أداء علي خامنئي سلبا خلال الحرب، مقابل 27% قيموه إيجابا. كما قال 58% إن الجمهورية الإسلامية فشلت في حماية السكان من الهجمات.
المسألة هنا ليست في الرقم وحده، وإنما في دلالته السياسية: حين تتحول القيادة التي يفترض أن تكون مصدر القوة والطمأنينة إلى جزء من النقاش حول الفشل، فإن معادلة الشرعية تصبح أكثر هشاشة.
النظام يستطيع أن يقمع الغضب… لكنه لا يستطيع اعتقال الفكرة
وهذه ربما هي العقدة التي تواجه النظام اليوم.
القوة الأمنية تستطيع تفريق مظاهرة، لكنها لا تستطيع إعادة الإيمان بفكرة فقدت بريقها. تستطيع السلطة إغلاق منصة، لكنها لا تستطيع إغلاق سؤال يعيش في ملايين الرؤوس. تستطيع اعتقال صاحب شعار، لكنها لا تستطيع اعتقال المعنى الذي صار الشعار يعبر عنه.
ولهذا فإن الحديث عن تراجع ولاية الفقيه لا يعني أن النظام فقد أدوات السيطرة. على العكس، ما زالت لديه مؤسسات أمنية وعسكرية واقتصادية واسعة، وما زالت لديه قاعدة اجتماعية تؤيده، كما تظهر استطلاعات “گمان” نفسها وجود أقلية معتبرة تؤيد استمرار النظام. كما أن المجتمع الإيراني ليس كتلة سياسية واحدة، ولا توجد رؤية موحدة لما ينبغي أن يحل محل الجمهورية الإسلامية.
لكن هذا لا يلغي السؤال الأكبر.
ماذا يبقى من نظام ديني حين تصبح الحاجة إلى القوة أكبر من الحاجة إلى الإقناع؟
هنا تكمن المفارقة.
كلما احتاجت ولاية الفقيه إلى مزيد من القمع لإثبات حضورها، فإنها تكشف، في الوقت نفسه، عن ضعف قدرتها على إنتاج القبول من داخل المجتمع. وكلما اتسعت المسافة بين الخطاب الرسمي والحياة اليومية، أصبح الحفاظ على النظام أكثر اعتمادا على أدوات السلطة وأقل اعتمادا على الاقتناع.
ولهذا يمكن القول إن ولاية الفقيه تقف اليوم أمام مفترق أزمة حادة: ليست المسألة مجرد غضب اقتصادي أو احتجاج سياسي عابر، بل تراجع في قدرتها على تقديم نفسها باعتبارها الفكرة الطبيعية التي ينبغي أن تنظم الدولة والمجتمع.
لكن من الخطأ أيضا تحويل هذا التراجع إلى إعلان مسبق عن سقوط النظام. فالأنظمة لا تسقط بالضرورة عندما تفقد شعبيتها، وقد تستطيع مؤسسات القوة إطالة عمرها السياسي رغم اتساع فجوة الشرعية.
غير أن التاريخ السياسي يضع أمامها سؤالا لا يمكن تأجيله إلى ما لا نهاية:
ماذا يحدث عندما يصبح النظام أقوى من المجتمع، لكنه أضعف من أن يقنعه؟
عندها لا تعود الأزمة في الشارع وحده.
تنتقل الأزمة إلى داخل الفكرة نفسها.
وهنا، ربما، تكمن أخطر لحظة في مسار ولاية الفقيه: أن تتحول من عقيدة يراد بها قيادة المجتمع إلى سلطة تحتاج كل يوم إلى إثبات أنها ما زالت قادرة على إخضاعه.
وعندما تصل السلطة إلى هذه النقطة، فإن السؤال لم يعد عن عمر النظام فقط، وإنما عن مقدار ما تبقى من الشرعية التي يمكن أن يعيش بها.