احتشاد آلاف الإيرانيين وأنصار المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية في 22 و23 سبتمبر أمام مقر الأمم المتحدة–
بحزاني – منى سالم الجبوري:
كلما اشتدت الضغوط على نظام طهران، ازداد إصراره على صناعة صورة مغايرة للواقع، صورة يظهر فيها النظام متماسكا والمجتمع ملتفا حوله، بينما يجري التعتيم على الاحتجاجات والاعتراضات الداخلية، وتقديم الصراع مع الخارج باعتباره القضية المركزية التي ينبغي أن تتقدم على كل شيء آخر، وفي هذا السياق تبدو الدعاية السياسية والإعلامية جزءا من معركة أوسع يخوضها النظام للسيطرة على الرواية، لأن من يسيطر على الصورة يحاول أن يسيطر على تفسير الأحداث أيضا.
ولعل ما جرى في طهران في 18 سبتمبر/أيلول يقدم مثالا واضحا على ذلك، عندما نظمت السلطات تجمعا واسعا أظهرته باعتباره تعبيرا عن الوحدة والاستعداد للدفاع عن البلاد، وقدرت السلطات عدد المشاركين بنحو 313 ألفا، فيما وصفت تقارير صحفية الحدث بأنه تجمع حكومي التنظيم، رافقته عروض عسكرية وحملة لتعبئة متطوعين، بينما شجعت وسائل الإعلام الرسمية المشاركة فيه.
لكن المشكلة بالنسبة للنظام أن هذه الصورة الرسمية ليست الصورة الوحيدة التي ظهرت إلى العالم، ففي نيويورك، وبالتزامن مع انعقاد الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، احتشد آلاف الإيرانيين وأنصار المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية في 22 و23 سبتمبر أمام مقر الأمم المتحدة، رافعين قضايا الإعدامات والسجناء السياسيين والتغيير الديمقراطي، في تظاهرات وثقتها أيضا وكالة رويترز بالصور، وهو ما جعل المشهد الإيراني أمام المنظمة الدولية أكثر تعقيدا من الرواية التي حملها الوفد الرسمي إلى داخل القاعة.
وهنا تحديدا تظهر أهمية المقاومة المنظمة؛ فالقضية لم تكن مجرد تجمع احتجاجي عابر، وإنما تحرك جرى الإعداد له مسبقا وتزامن مع وجود الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في نيويورك، وحاول إيصال رسالة مضادة للرواية الرسمية، مفادها أن هناك أصواتا إيرانية منظمة في الخارج ترفض أن يختزل الشعب الإيراني في خطاب الحكومة، وتطرح في المقابل رؤيتها لمستقبل سياسي مختلف. وقد أشارت تقارير الجهة المنظمة إلى مشاركة شبان ونشطاء وشخصيات سياسية وحقوقية، وإلى استمرار الفعاليات ليومين متتاليين.
واللافت أن النظام كان يحاول، في الوقت نفسه، استخدام منصة الأمم المتحدة لتقديم نفسه بوصفه الطرف الذي يتعرض للعدوان والضغط الخارجي، فقد ركز بزشكيان في خطابه على اتهام الولايات المتحدة وإسرائيل، وعرض صورا لضحايا الحرب، مع إبقاء الباب مفتوحا أمام الدبلوماسية؛ لكن خارج مبنى الأمم المتحدة كانت هناك تظاهرات تركز على الإعدامات والقمع والاحتجاجات الداخلية، الأمر الذي أوجد مواجهة مباشرة بين الرواية الرسمية عن إيران والرواية التي أراد المعارضون إيصالها إلى الرأي العام الدولي.
ومن هنا يمكن فهم سبب أهمية المعركة على الصورة بالنسبة للنظام؛ فحين تتحول الإعدامات والاعتقالات وقمع الاحتجاجات إلى موضوعات حاضرة أمام الأمم المتحدة والإعلام الدولي، يصبح من الصعب حصر النقاش في الحرب والعقوبات والملف النووي، لأن السؤال ينتقل إلى الداخل: ماذا يحدث للإيرانيين أنفسهم؟ ومن يمثل أصواتهم؟ وهل يستطيع النظام أن يتحدث باسم مجتمع تظهر فيه، في الوقت نفسه، حركات احتجاج ومعارضة منظمة؟
إن أكثر ما يكشفه مشهد نيويورك ليس مجرد حجم التظاهرة، بل قدرة المعارضة المنظمة على استثمار حدث دولي بالغ الأهمية وتحويله إلى منصة لطرح قضية الشعب الإيراني، وفي المقابل يكشف حجم الجهد الذي يبذله النظام لإنتاج مشاهد مضادة، سواء عبر التعبئة الرسمية في الداخل أو عبر الخطاب السياسي في الخارج، بما يعني أن المعركة لم تعد تدور فقط في الشوارع الإيرانية، وإنما أصبحت أيضا معركة على من يملك حق تمثيل إيران أمام العالم.
ولذلك فإن محاولة التغطية على الحراك الشعبي لا تنجح بمجرد تنظيم تجمعات ضخمة أو رفع الشعارات الوطنية، لأن السؤال الأساسي يبقى قائما: هل تستطيع الصورة الرسمية أن تحجب الصور الأخرى التي تخرج من إيران ومن خارجها؟ وهل يمكن لخطاب الوحدة الوطنية أن يلغي ملفات الإعدامات والسجناء السياسيين والاحتجاجات؟ إن تجربة الأيام الأخيرة أمام الأمم المتحدة تشير، على الأقل، إلى أن الرواية الإيرانية الرسمية تواجه منافسة منظمة على الساحة الدولية.
وفي النهاية، قد تكون أخطر نقطة بالنسبة للنظام أن يتحول الحراك الشعبي من احتجاجات متفرقة إلى قضية تمتلك صوتا منظما ومنصات دولية قادرة على إيصالها، لأن النظام يستطيع التحكم بدرجة كبيرة في الإعلام الداخلي، لكنه لا يستطيع بالسهولة نفسها التحكم بما يحدث أمام الأمم المتحدة، حيث تتقاطع الكاميرات ووسائل الإعلام والوفود الدولية والاحتجاجات، وحيث تصبح محاولات احتكار صورة إيران أكثر صعوبة كلما ظهر صوت آخر يقول للعالم إن خلف الخطاب الرسمي دولة ومجتمعا وصراعا داخليا لا يمكن اختزاله في رواية السلطة وحدها.








