مجتبی خامنئي-
الحوار المتمدن–نزار جاف:
منذ أن أعلن اختيار مجتبى خامنئي مرشدا أعلى لإيران، دخل النظام الإيراني مرحلة غير مألوفة، ليس فقط لأن انتقال السلطة جاء في ظروف سياسية وأمنية واقتصادية شديدة التعقيد، وإنما لأن الرجل الذي أصبح، بحسب الرواية الرسمية، صاحب أعلى سلطة في البلاد، لم يظهر منذ اختياره بصورة علنية واضحة، ولم يقدم نفسه للإيرانيين بصوته أو بصورته في تسجيل حديث موثوق، واكتفى حتى الآن ببيانات وتصريحات مكتوبة، الأمر الذي جعل غيابه نفسه يتحول الى واحدة من أكثر القضايا إثارة للأسئلة حول مستقبل النظام وطبيعة السلطة التي تشكلت بعد رحيل والده.
وهنا تحديدا تبدأ المفارقة.
فالولي الفقيه في الجمهورية الإسلامية ليس منصبا بروتوكوليا يمكن لصاحبه أن يظل بعيدا عن الأنظار، وإنما هو رأس هرم سياسي وديني وعسكري وأمني، وكان حضور المرشد وصوته وصورته جزءا أساسيا من صورة السلطة طوال العقود الماضية، ولذلك فإن غياب مجتبى لا يمكن اختزاله في مسألة إعلامية عابرة، خصوصا أن هذا الغياب طال، بينما بدأت روايات مختلفة تتضارب حول وضعه ومكان وجوده وقدرته على ممارسة مهامه.
مرشد بلا صورة
تقول الرواية الرسمية إن الظروف الأمنية والحرب تجعل الظهور العلني لمجتبى خامنئي أمرا بالغ الخطورة، وإن إبقاءه بعيدا عن الأضواء يدخل في إطار الإجراءات الأمنية لحمايته، كما تؤكد مصادر رسمية إيرانية أنه يواصل ممارسة صلاحياته وإدارة الملفات الأساسية من موقع آمن، وهي رواية لا يمكن استبعادها في ظل الظروف التي تعيشها إيران.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الغياب المؤقت إلى حالة مستمرة، لأن الفراغ المعلوماتي لا يبقى فارغا، وإنما تمتلئ مساحته بالشائعات والتكهنات، وقد ظهرت بالفعل روايات متناقضة تتحدث عن وضعه الصحي أو حتى عن وفاته، وهي روايات لم تثبت بصورة مستقلة ولا يمكن التعامل معها باعتبارها حقائق، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن مشكلة سياسية حقيقية: كلما طال غياب المرشد، ازدادت الأسئلة حوله.
فلو ظهر مجتبى بالصوت والصورة بصورة واضحة وموثوقة، لانتهى جانب كبير من هذا الجدل، ولما تحولت الصور القديمة أو التسجيلات غير المؤكدة الى مادة للتكهن، ولما أصبح السؤال عن وجوده وقدرته على ممارسة سلطاته جزءا من النقاش السياسي والإعلامي.
وهنا تصبح المفارقة أكثر وضوحا: في نظام جعل حضور المرشد جزءا من قوة السلطة، أصبح غياب المرشد نفسه خبرا.
من الأب الى الابن
لكن القضية الأهم لا تتعلق بمجرد ظهور مجتبى أمام الكاميرا، وإنما بما يجري خلفها، لأن السؤال الحقيقي هو: إذا كان مجتبى هو صاحب القرار الأعلى فعلا، فما طبيعة علاقته بمراكز القوة التي ازدادت أهميتها داخل النظام، وفي مقدمتها الحرس الثوري والمؤسسات الأمنية التي أصبحت لاعبا أساسيا في السياسة والاقتصاد والأمن والاستراتيجية؟
كان علي خامنئي يمتلك أكثر من ثلاثة عقود لبناء سلطته وشبكة علاقاته داخل مؤسسات الدولة والحرس الثوري، وكان حضوره الشخصي جزءا من التوازن الذي حكم الجمهورية الإسلامية طوال سنوات طويلة، أما مجتبى فقد وصل إلى المنصب في لحظة مختلفة تماما، فهو لا يرث نظاما مستقرا كما ورث والده نظام الخميني، وإنما يرث نظاما مثقلا بالأزمات الاقتصادية والعقوبات والصراعات الداخلية والحروب الإقليمية، فضلا عن أزمة الثقة المتنامية بين قطاعات من المجتمع ومؤسسات الحكم.
ولهذا فإن مجتبى لا يرث منصب أبيه فقط، بل يرث أيضا الملفات التي بقيت مفتوحة طوال سنوات حكمه، وهو ما يجعل السؤال الحقيقي ليس فقط: هل يستطيع مجتبى أن يكون مرشدا؟ وإنما هل يستطيع أن يكون مركز السلطة الفعلي؟
فإذا كانت مؤسسات الحرس والأجهزة الأمنية قادرة على إدارة الملفات الكبرى، بينما يبقى المرشد بعيدا عن المشهد، فإن إيران قد تكون أمام تحول تدريجي في طبيعة النظام، من نموذج تتركز فيه السلطة حول شخصية المرشد الى نموذج أكثر جماعية تتوزع فيه مراكز القرار، مع بقاء المرشد في قمة الهرم من الناحية الرسمية.
شبح في قمة السلطة
وهنا تصبح مسألة الغياب أكثر من مجرد غياب شخص، لأنها تفتح الباب أمام سؤال أكبر يتعلق بمستقبل المؤسسة التي يمثلها: هل لا يزال منصب الولي الفقيه مركز القرار الفعلي في إيران، أم أن الظروف الجديدة تدفع نحو توزيع أوسع للسلطة بين المرشد والحرس الثوري والمؤسسات الأمنية والسياسية؟
لا توجد حتى الآن أدلة مستقلة تسمح بإعطاء جواب نهائي عن هذا السؤال، كما لا توجد أدلة موثوقة تثبت الروايات المتداولة حول وفاة مجتبى أو عدم قدرته على أداء مهامه، ولذلك فإن التعامل مع تلك الروايات باعتبارها حقائق سيكون سابقا لأوانه، لكن المؤكد أن استمرار الغياب يخلق مشكلة للنظام نفسه، لأن السلطة التي تحتاج دائما الى إظهار رأسها أمام المجتمع تجد نفسها أمام مرشد لا يراه الإيرانيون ولا يسمعون صوته في تسجيل حديث موثوق.
ومن هنا يمكن فهم المفارقة التاريخية التي تذكر بصورة المستعصم بالله، آخر خلفاء بني العباس في بغداد، لا لأن إيران اليوم هي بغداد القرن الثالث عشر، ولا لأن مجتبى هو المستعصم، وإنما لأن التاريخ يبين أحيانا أن مظهر القوة لا يعني بالضرورة أن مراكز القوة الحقيقية ما زالت متماسكة كما تبدو.
قد يكون مجتبى خامنئي حيا ويمارس سلطاته كما تقول الرواية الرسمية، وقد يكون غيابه إجراء أمنيا فرضته ظروف الحرب، وقد يظهر غدا وينهي جانبا كبيرا من الجدل المحيط به، لكن السؤال الذي سيبقى قائما هو: لماذا احتاج نظام بهذه الضخامة الى مرشد لا يراه شعبه ولا يسمع صوته؟
فالمشكلة ليست في أن المرشد غائب عن الشاشة، وإنما في أن الشاشة أصبحت المكان الذي يبحث فيه الناس عن دليل على وجوده.
وقد لا يكون مجتبى خامنئي هو المستعصم بالله الإيراني، لكن التاريخ أحيانا لا يبدأ بإسقاط القصور، بل يبدأ حين يصبح الحاكم نفسه شبحا في قمة السلطة، ويبدأ الناس بالسؤال: من يحكم إيران فعلا؟
مريم رجوي الرئيسة الجمهورية لإيران المستقبل








